أشعل ردّ أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور نادر نور الدين، على تصريحات الإعلامي مصطفى بكري حول «المخاطر الزلزالية» لسد النهضة، الجدل مجددًا حول واحدة من أكثر الروايات استخدامًا في الإعلام الموالي: أن السد سيسقط وحده وستنتهي الأزمة تلقائيًا.

نور الدين حسم جانبًا مهمًا من هذه السردية بقوله إن الفالق الإفريقي الأعظم بعيد عن موقع السد، وإن الحديث عن ضعف القشرة الأرضية في منطقة السد لا أساس علميًا له، وإن انهياره «صعب في الوقت الحالي».

 

هذا الموقف، إلى جانب تحليلات خبراء آخرين مثل عباس شراقي ومحمد نصر علام وضياء الدين القوصي وأماني الطويل، يقدّم صورة مختلفة تمامًا عمّا يروّجه إعلاميون مقرّبون من السلطة، ويضع المسؤولية مباشرة على إدارة عبد الفتاح السيسي للملف، بدل تعليق الآمال على زلزال خرافي أو «معجزة طبيعية» تُسقط السد وتُنقذ النظام من فشل تفاوضي مزمن.

 

نور الدين وشراقي: الزلزال ليس سيناريو الخلاص بل كارثة على مصر والسودان

 

يؤكد نادر نور الدين أن الفالق الإفريقي الأعظم يقع على حدود إثيوبيا مع الصومال، بعيدًا عن موقع سد النهضة على النيل الأزرق، وبالتالي لا يمكن البناء على فرضية أن السد مقام مباشرة فوق صدع نشط سيبتلعه في أي لحظة، كما يروّج بعض الإعلاميين.

ويشدد على أن السد – وفق المعطيات الحالية – لا يبدو آيلًا للانهيار الفوري، وأن التعويل على ذلك هروب من جوهر الأزمة: غياب اتفاق قانوني ملزم يحدد قواعد الملء والتشغيل.

 

من جانبه، يحذّر عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية والجيولوجيا، من أن سد النهضة يشكّل تهديدًا حقيقيًا لمصر والسودان، لكن على قاعدة مختلفة؛ فخطره الأكبر يتمثل في سعته التخزينية الضخمة والتصرفات الأحادية لإثيوبيا، وليس في سيناريو هوليوودي عن سقوط مفاجئ بلا مقدمات.

وهو يوضح في أكثر من مداخلة أن مفيض توشكى نفسه لا يستطيع تصريف كميات المياه التي قد تنجم عن انهيار كامل للسد، ما يعني أن أي انهيار – إذا حدث – سيكون كارثة مشتركة على دول المصب لا «خلاصًا مجانيًا» لمصر.

 

بهذا المعنى، ما يقوله كبار المتخصصين ينسف تمامًا خطاب بعض البرامج التلفزيونية التي تسوّق للمصريين أن «إثيوبيا تلعب بالنار» وأن «السد هينفجر لوحده»، ويحوّل الانتباه إلى النقطة التي تهرب منها السلطة: لماذا تُرك المشروع يصل إلى هذه المرحلة من دون اتفاق ملزم رغم عشر سنوات من وعود السيسي ووزرائه؟

 

علام والقوصي: الخطر في الإدارة الإثيوبية الأحادية.. لا في انتظار معجزة

 

وزير الري الأسبق محمد نصر علام يذكّر باستمرار بأن الأزمة اليوم ليست في وجود السد في حد ذاته بقدر ما هي في طريقة إدارته الإثيوبية المنفردة، مشيرًا إلى أن أديس أبابا ترفض حتى الآن الالتزام بقواعد واضحة للملء والتفريغ، وأن هذه الإدارة «غير المنضبطة» هي التي تهدد دول المصب بمخاطر كبيرة، سواء في مواسم الفيضان أو الجفاف.

 

علام كان أيضًا من أوائل من أشاروا إلى أن هناك بالفعل مسودة اتفاق جاهزة منذ مفاوضات واشنطن 2020، وقّعت عليها مصر بالأحرف الأولى ثم رفضت إثيوبيا التوقيع، ما يعني أن الرهان على «سقوط السد» بديلًا عن استكمال مسار قانوني واضح هو في جوهره اعتراف ضمني بفشل المسار التفاوضي الذي سمح لإثيوبيا بالمضي قدمًا.

 

الخبير الدولي في المياه والمستشار السابق لوزير الري، الدكتور ضياء الدين القوصي، يركّز هو الآخر على فوضى التصريف الإثيوبية؛ فقد حذّر مؤخرًا من أن إثيوبيا صرفت كميات هائلة من المياه عبر السد دون إخطار السودان ومصر، ما تسبب في فيضانات مفاجئة وأضرار واسعة، مؤكدًا أن دولتي المصب تتحملان فاتورة قرارات إثيوبية أحادية لا تخضع لأي آلية شفافة.

 

وفي تحليلات سابقة، شدّد القوصي على أن حجم خزان السد الضخم يعني أن أي خطأ في الملء أو التشغيل يمكن أن تكون له عواقب خطيرة، لكنه لم يقدّم هذه الاحتمالات يومًا على أنها «حتمية» أو «حل»، بل كعوامل إضافية تجعل من التراخي السياسي المصري أمرًا أكثر خطورة.

 

أماني الطويل: عشر سنوات من الفشل السياسي.. والإعلام يبيع وهم «السد هيقع»

 

مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات، الدكتورة أماني الطويل، تقدّم إطارًا أشمل؛ فهي ترى أن عشر سنوات من التفاوض فشل خلالها كل من مصر والسودان في دفع إثيوبيا نحو صيغة تعاونية قانونية ملزمة، وأن النتيجة كانت انتقال قيادة حوض النيل عمليًا إلى أديس أبابا، مع تهديد طويل الأمد لأمن دول المصب.

 

تحليلات الطويل تكشف أن السياسة المصرية منذ 2014 اعتمدت على خطاب «حسن النية» و«المنفعة المشتركة» و«دعم التنمية في إثيوبيا»، مع توقيع إعلان مبادئ 2015، بينما كانت أديس أبابا تبني واقعًا على الأرض وتراكم أوراق قوة تفاوضية، إلى أن وصلت إلى مرحلة الملء الرابع بلا اتفاق.

وهذا بالضبط ما وصفته دراسات أخرى بأنه توجه مصري ضعيف تنازل عن أوراق الضغط الحقيقية لصالح المجاملات الخطابية.

 

في المقابل، يواصل إعلاميون موالون – من بينهم مصطفى بكري – بيع سرديات متناقضة للجمهور: مرة أن «السيسي أنقذ النيل باتفاق تاريخي»، ومرة أن «السد سينهار بفعل فالق زلزالي» وأن «المشكلة هتتحل لوحدها».

 

هذه السرديات لا تجد سندًا علميًا عند أغلب الخبراء الجادين، الذين يجمعون – رغم اختلافهم في التفاصيل – على ثلاث حقائق رئيسية:

 

  • انهيار السد ليس سيناريو قريبًا ولا مضمونًا، وإذا حدث سيكون كارثة مشتركة على مصر والسودان قبل إثيوبيا.
  • الخطر الحقيقي في الإدارة الأحادية للسد، وغياب اتفاق قانوني ملزم، واستمرار إثيوبيا في الملء والتصريف وفق مصالحها وحدها.
  • السبب الجوهري للوضع الحالي هو فشل الإدارة السياسية للملف في عهد السيسي، وضياع سنوات من الفرص التفاوضية والقانونية، لا نقص «وطنية» عند الخبراء أو انتظار «معجزة» طبيعية.

 

بهذا المعنى، تأتي مداخلة نادر نور الدين لتغلق بابًا واسعًا من التضليل: سد النهضة لن يسقط لأن مذيعًا توعّد إثيوبيا على الشاشة، ولا لأن فالقًا زلزاليًا يتربص به، بل سيظل قائمًا ما لم تُفرض عليه قواعد اتفاق حقيقي، وما لم يُحاسَب من وقّع ووافق وسكت وراهن عشر سنوات على وعود لم تتحقق، بينما الإعلام مشغول بتسويق وهم «السد هيقع والمشكلة هتتحل لوحدها».