في تدوينة مؤثرة أثارت تفاعلاً واسعًا على مواقع التواصل، كتب الصحفي مصطفى عادل رسالة اعتذار مبكر لبناته وأحفاده وللأجيال القادمة، معترفًا بفشل جيله في أن يورث أبناءه واقعًا أفضل أو حتى ذكريات خفيفة على القلب.

 

عادل يقول إنه – ومعه كثيرون من أبناء جيله – سيقبل بلوم الأبناء ولن يدافع عن نفسه، بل سيكتفي بأن يختنق من الداخل ويقول لهم: «عندكم حق.. إحنا آسفين». هذه الكلمات، المنشورة عبر حسابه الشخصي على فيسبوك

 

 

تحولت إلى مرآة تعبر عن شعور واسع بالذنب والعجز لدى جيل كامل عاش تحولات قاسية في المنطقة، من أحلام الأرض والسلام إلى واقع مثقل بالفواتير الاقتصادية والسياسية التي يدفعها الأبناء دون أن يروا عائدًا حقيقيًا على تضحيات آبائهم.

 

جيل يعتذر قبل أن يُسأل: “أخبروا أولادنا أننا حاولنا”

 

يختار مصطفى عادل أن يبدأ من النقطة الأكثر وجعًا: الاعتذار قبل المحاسبة. لا ينتظر أن يكبر أبناؤه وأحفاده ليحاصروه بالأسئلة: ماذا فعلتم؟ لماذا ورثتمونا هذا الخراب؟ بل يعلن مسبقًا أنه لن يمتلك إجابات مقنعة، وأن أفضل ما يمكن أن يقوله لهم هو: «أخبروا أولادنا أننا حاولنا.. والله حاولنا نخلي حياتهم أفضل.. بس الظاهر فشلنا».

 

هذا الاعتراف لا يأتي من موقع اللامبالاة، بل من شعور بالمسئولية تجاه “الفرص الضائعة”؛ فرص بناء مجتمع أكثر عدلاً وحرية، وتصحيح مسارات سياسية واقتصادية كان يمكن أن تمنح الأجيال الجديدة موطئ قدم أكثر ثباتًا. عادل يقر بأن جيله قصّر في “حاجات كويسة كان ممكن يسيبها لهم”؛ من مؤسسات قوية إلى حياة سياسية صحية، مرورًا بنظام تعليمي وفرص عمل تحفظ الكرامة.

 

في الوقت نفسه، يحاول أن يترك خيطًا رفيعًا من التخفيف، فيقول إن هذا الجيل كان “مجرد مواصلة بين أجيال”، حلقة انتقالية باهتة بين جيل عاش حلم الأرض والسلام، وبين جيل جديد “يبني مستقبله وقادر يشوف نتيجة الفواتير اللي بيدفعها”. لكن هذا الوصف، بدل أن يبرئه، يزيد من قسوة المشهد: جيل يعترف أنه “لا طال ولا عاش ولا هيشوف”.

 

ذكريات “دمها تقيل”.. حين تصبح الذاكرة عبئًا على الأبناء

 

أكثر ما يلفت في رسالة مصطفى عادل هو حديثه عن الذكريات. فبدل أن يتباهى الجيل الحالي لأبنائه بأنه ترك لهم “تاريخًا مشرفًا”، يصف ما سيتركونه بأنه «ذكريات دمها تقيل». هذا التعبير يلخص شعورًا بأن التجربة التي عاشها هذا الجيل – بكل ما فيها من ثورات مكسورة وآمال مهدورة وحروب نفسية واقتصادية – تحولت من رصيد فخر إلى عبء نفسي.

 

الصحفي الذي يفترض أن مهنته توثيق اللحظة وكتابتها للأجيال القادمة، يعلن هنا أن ما كُتب في هذه السنوات لن يكون مصدر إلهام بقدر ما سيكون دليلاً على الفشل؛ فبدل أن يحكي الأب لأطفاله قصة نجاح جماعي – دولة بنت نفسها، ونظام تعلّم من أخطائه، ومجتمع وسّع من دوائر حريته – يجد نفسه يروي سلسلة من الانكسارات، ثم يختتمها باعتذار خجول: “عندكم حق.. إحنا آسفين”.

 

هذه اللغة تكشف عن تحوّل عميق في نظرة كثيرين من أبناء هذا الجيل إلى دورهم في التاريخ؛ فبدل أن يروْا أنفسهم صناعًا للتغيير، يرون أنهم جيل “الفرصة الضائعة”: حاول أن يتحرك، انكسر، ثم عجز عن تصحيح المسار أو حماية الحد الأدنى من أحلامه الأولى. لذلك يبدو الاعتذار ليس مجرد إقرار بخطأ فردي، بل إدانة لجيل كامل سمح – عن عجز أو خوف أو إنهاك – بمراكمة الأزمات حتى وصلت إلى ما هي عليه.

 

ما بين الإيمان وضعف الحيلة.. هل ما زال هناك متسع لتغيير المسار؟

 

رغم قتامة الاعتراف، يترك مصطفى عادل نافذة صغيرة للأمل، وإن كانت مشوبة بالتردد. يقول إنه لا يعرف إن كان موقفه نابعًا من “صدق أو ضعف حيلة أو إيمان”؛ اعتراف يلمس جوهر حالة كثيرين اليوم: مزيج من الإيمان بأن الله قد يهيئ للأجيال القادمة ظروفًا أفضل، ومن الإحساس بالعجز أمام آلة واقع سياسي واقتصادي خانق، ومن الصدق في رؤية الذات كجزء من المشكلة، لا مجرد ضحية لها.

 

هذا التردد يعيد طرح سؤال أكبر: هل دور هذا الجيل انتهى حقًا عند حدود “المواصلة بين أجيال”، أم أن الاعتراف بالفشل يمكن أن يكون بداية لمسار مختلف، ولو متأخر؟

 

عادل لا يقدّم خطة عمل، ولا يطرح حلولاً سياسية مباشرة؛ لكنه يرسل إشارة واضحة بأن الإنكار لم يعد خيارًا. الاعتذار في حد ذاته خطوة أولى في اعتراف مجتمع كامل بأنه لم ينجح في حماية أحلامه ولا في الدفاع عن مستقبل أبنائه، وأن أي أجيال قادمة لها كامل الحق في مساءلته بل وإدانته.

 

ومع ذلك، تختم رسالته بدعاء بسيط: «يارب تكون حياتهم أفضل». بين الاعتذار والدعاء تتأرجح صورة جيل لا يريد أن يورّث أبناءه الكراهية، حتى وهو يعترف بأنه ورّثهم واقعًا صعبًا. جيل ربما لا يملك الآن سوى الكلمة والندم، لكنه يترك للأجيال الجديدة شيئًا واحدًا لا يزال صالحًا للبناء عليه: وعي واضح بأن ما جرى لم يكن قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات يمكن – ويجب – ألا تتكرر.