أسدلت الهيئة الوطنية للانتخابات الستار على أطول وأعقد عملية انتخابية برلمانية شهدتها البلاد منذ سنوات، بإعلان النتائج النهائية لإعادة الانتخابات في 27 دائرة فردية، كانت قد أُلغيت نتائجها سابقًا بقرارات قضائية.
غير أن هذه النتائج، بدل أن تُنهي الجدل، أعادت فتح ملف المشاركة الشعبية، وشرعية العملية الانتخابية، وطبيعة التوازن السياسي داخل البرلمان الجديد، في ظل أرقام تعكس عزوفًا غير مسبوق للناخبين وهيمنة شبه كاملة للأحزاب المقربة من السلطة.
انتخابات طويلة بنظام مختلط ونتائج مثيرة للجدل
جرت الانتخابات البرلمانية الحالية وفق نظام مختلط يجمع بين الفردي والقائمة المغلقة بنسبة 50% لكل منهما، بإجمالي 568 مقعدًا منتخبًا، يُضاف إليها 28 مقعدًا يعيّنها عبدالفتاح السيسي، بما يرفع العدد الكلي إلى 596 نائبًا.
وانطلقت العملية الانتخابية في 8 أكتوبر الماضي، وشملت مرحلتين في الداخل والخارج، قبل أن تتعقد المشهدات لاحقًا بإلغاء نتائج عشرات الدوائر الفردية بسبب طعون قضائية تتعلق بإجراءات الفرز وسلامة العملية الانتخابية.
ومع إعادة الاقتراع في 27 دائرة فردية، برزت مفارقة لافتة، تمثلت في الانخفاض الحاد لنسب المشاركة، مقارنة بالمراحل السابقة من الانتخابات نفسها، فضلًا عن المقارنة التاريخية بانتخابات ما بعد ثورة 25 يناير.
نسب مشاركة متدنية تعكس عزوفًا واسعًا
كشفت النتائج الرسمية لإعادة الانتخابات عن تراجع نسب التصويت إلى مستويات غير مسبوقة، تراوحت بين 2% و13% فقط، في مؤشر اعتبره مراقبون دلالة واضحة على فقدان قطاعات واسعة من المواطنين الحماس أو الثقة في جدوى المشاركة السياسية.
ففي محافظة الجيزة، سجلت دائرة السادس من أكتوبر أدنى نسبة مشاركة بلغت 2.07%، تلتها دائرة الأهرام بنسبة 3.39%، ثم العمرانية بـ5.17%، وبولاق الدكرور بـ7.51%، ومنشأة القناطر بـ9.50%، والبدرشين بـ10.16%. أما في صعيد مصر، فبلغت نسبة المشاركة 11.57% في دائرة مركز المنيا، و12.92% في مغاغة، و13.56% في ملوي، فيما سجلت دائرة القوصية بمحافظة أسيوط 9.96%، ومركز أسيوط 12.22%.
وتأتي هذه الأرقام أقل بكثير من نسبة المشاركة التي تجاوزت بقليل 16% في المرحلة الثانية من الانتخابات، وبفارق شاسع عن انتخابات مجلس الشعب عام 2011، التي بلغت فيها نسبة المشاركة نحو 62%، في ذروة الزخم السياسي الذي أعقب ثورة يناير.
أرقام رسمية إجمالية تثير تساؤلات
ورغم هذه النسب المتدنية، أعلن رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات، حازم بدوي، في مؤتمر صحافي، أن إجمالي نسبة المشاركة في جميع جولات الانتخابات داخل مصر وخارجها بلغ 32.41% من إجمالي عدد الناخبين المقيدين. وهو إعلان قوبل بانتقادات واسعة، إذ اعتبره متابعون تحايلاً حسابيًا لا يعكس الواقع الفعلي للمشاركة.
وبحسب منتقدين، فإن الهيئة قامت بجمع إجمالي عدد الأصوات التي أُدلي بها على مدى نحو ثلاثة أشهر، دون التمييز بين الناخب الذي صوّت مرة واحدة، وآخر صوّت مرتين أو ثلاث مرات في دوائر أعيد فيها الاقتراع. إذ شهدت 49 دائرة فردية ثلاث جولات انتخابية، و94 دائرة جولتين، ما أدى إلى تضخيم النسبة الإجمالية للمشاركة بصورة غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات البرلمانية المصرية.
وزعم بدوي أن عدد المشاركين بلغ 22 مليونًا و657 ألفًا و211 ناخبًا، من أصل 69 مليونًا و891 ألفًا و913 ناخبًا مقيدين بقاعدة البيانات، مشيرًا إلى أن الأصوات الصحيحة بلغت 21 مليونًا و150 ألفًا و556 صوتًا، مقابل مليون و506 آلاف و555 صوتًا باطلًا.
هيمنة كاسحة للقائمة الوطنية وأحزاب السلطة
على مستوى توزيع المقاعد، أظهرت النتائج النهائية سيطرة شبه مطلقة لـ"القائمة الوطنية من أجل مصر"، التي تشكّلت بدعم من أجهزة سيادية وتضم 12 حزبًا، على أكثر من 80% من مقاعد مجلس النواب. وحصدت القائمة 456 مقعدًا، بعد فوزها بجميع مقاعد القوائم المغلقة البالغ عددها 284 مقعدًا، إضافة إلى 172 مقعدًا على النظام الفردي.
وتُركت 112 مقعدًا فقط خارج هذه الكتلة، ذهبت غالبيتها إلى مرشحين مستقلين، وثلاثة أحزاب محدودة التمثيل من خارج القائمة، هي حزب النور، وحزبا المحافظين والوعي.
وتصدر حزب "مستقبل وطن" المشهد البرلماني بحصوله على 227 مقعدًا بنسبة تقارب 40% من إجمالي المقاعد، بينها 121 مقعد قائمة و106 مقاعد فردية. وجاء حزب "حماة الوطن" ثانيًا بـ87 مقعدًا، يليه حزب "الجبهة الوطنية" بـ65 مقعدًا، ثم "الشعب الجمهوري" بـ24 مقعدًا.
كما توزعت المقاعد المتبقية بين أحزاب أخرى بنسب محدودة، بينها العدل، والمصري الديمقراطي، والوفد، والإصلاح والتنمية، والتجمع، والمؤتمر، والحرية المصري، وإرادة جيل، في حين حصد المستقلون 104 مقاعد بنسبة 18.3%، مقارنة بـ92 نائبًا مستقلاً في برلمان 2020–2025.
سياق سياسي واقتصادي ضاغط
تأتي هذه النتائج في سياق سياسي بالغ الحساسية، إذ تُعد هذه الانتخابات الأخيرة قبل انتهاء الولاية الرئاسية الثالثة لعبد الفتاح السيسي عام 2030، وهي الولاية التي يفترض أن تكون الأخيرة وفق الدستور الحالي. ويرى محللون أن البرلمان الجديد قد يلعب دورًا محوريًا في أي سيناريو مستقبلي يتعلق بتعديل الدستور أو إعادة تشكيل قواعد الحكم.
وفي الوقت ذاته، يواجه النظام انتقادات محلية ودولية متصاعدة بشأن أوضاع حقوق الإنسان وحرية التعبير، بالتزامن مع أزمة اقتصادية خانقة تعانيها البلاد، في ظل ارتفاع الديون والاعتماد المتزايد على الاستثمارات الخليجية وقروض صندوق النقد الدولي.
ورغم إطلاق الحكومة ما عُرف بـ"الحوار الوطني" عام 2022 بهدف توسيع قاعدة المشاركة السياسية، يرى معارضون أن مخرجات الانتخابات الأخيرة، ونسب المشاركة المتدنية، تعكس فجوة متزايدة بين السلطة وقطاعات واسعة من المجتمع، وتطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الحياة النيابية والتمثيل السياسي.

