أثار قرار وزارة الصحة والسكان بحكومة الانقلاب تعديل بند «سماح المجموع» في حركة نيابات مايو 2025 للأطباء البشريين موجة غضب واسعة بين الأطباء المتضررين، الذين حذروا من أن القرار لا يمس مجرد إجراء إداري، بل يضرب في الصميم مستقبلهم المهني ومسار تخصصاتهم الطبية.
القرار، الذي جاء بعد انتهاء المرحلة الأساسية والتظلمات، غيّر القواعد المعلنة مسبقًا، وقيّد الأطباء بأماكن محددة للنيابة، أغلبها مستشفيات لا تضم أقسام التخصص المطلوب، ما حوّل النيابات – عمليًا – إلى نيابات وهمية بلا تدريب حقيقي.
الأطباء طالبوا مسؤولي وزارة صحة الانقلاب بالعدول الفوري عن هذا التعديل، وتطبيق نفس اشتراطات الحركات السابقة، التي كانت تضمن – ولو بحد أدنى – حصول الطبيب على تدريب عملي فعلي في التخصص الذي سيسلكه طوال حياته المهنية. لكن الوزارة، كعادتها، اختارت فرض الأمر الواقع، متجاهلة تحذيرات الأطباء وتداعيات القرار على المنظومة الصحية بأكملها.
نيابات وهمية.. تدريب على الورق فقط
الدكتور مينا ماركوس، أحد الأطباء المتضررين من القرار، أكد أن التغيير المفاجئ في قواعد «سماح المجموع» فجّر غضبًا واسعًا بين الأطباء، لأنه يمثل إخلالًا واضحًا بالقواعد التي أُعلن عنها في بداية حركة نيابات مايو 2025، والتي التزمت بها الوزارة شكليًا حتى انتهاء مرحلة التظلمات.
وأوضح ماركوس في تصريحات صحفية أن حركة النيابات تضم منذ سنوات مستشفيات تُعرف بين الأطباء باسم «النيابات الوهمية»، وهي مستشفيات لا تحتوي على أقسام التخصص الطبي المطلوبة، ما يجعل وجود الطبيب فيها وجودًا شكليًا لا يضيف أي خبرة حقيقية.
ولهذا السبب، كان بند «سماح المجموع» يمثل طوق نجاة للأطباء، إذ يتيح لهم – بعد انتهاء الحركة الأساسية – تعديل مكان النيابة إلى مستشفى يحتوي على القسم المطلوب للتخصص، بما يضمن تدريبًا عمليًا فعليًا.
لكن وزارة صحة الانقلاب، بحسب ماركوس، قلبت المعادلة رأسًا على عقب، بعدما أصدرت قرارًا مفاجئًا عقب فتح مرحلة سماح المجموع، حدّدت فيه أماكن بعينها للتقديم، أغلبها من المستشفيات المصنفة كنيابات وهمية، ما يحرم الأطباء من أي استفادة تدريبية، ويجعل سنة النيابة مجرد استهلاك للوقت والعمر دون مقابل مهني.
وأشار إلى أن الأطباء خاطبوا إدارة التكليف بالوزارة مطالبين بالالتزام بالقواعد الأصلية التي أُعلنت في بداية الحركة، لكن الرد جاء بالرفض القاطع. ولم يكن حال نقابة الأطباء أفضل، إذ اكتفت – بحسب تعبيره – بجملة صادمة: «حاولنا ومقدرناش»، في اعتراف ضمني بالعجز أو التواطؤ، وترك الأطباء وحدهم في مواجهة قرارات تعسفية تهدد مستقبلهم.
نقابة غائبة ووزارة تصر على العبث
غياب الدور الفعّال لنقابة الأطباء في هذه الأزمة كشف مرة أخرى حالة الفراغ التمثيلي التي يعيشها الأطباء الشباب. فبدلًا من أن تكون النقابة درعًا مهنيًا يدافع عن حقوقهم، تحولت إلى شاهد صامت على قرارات تمس جوهر التدريب الطبي في مصر.
وزارة صحة الانقلاب كانت قد أعلنت بوضوح في بداية حركة نيابات مايو 2025 أن القواعد المطبقة هي نفس قواعد الحركات السابقة، ما دفع الأطباء إلى ترتيب اختياراتهم وتوقعاتهم المهنية على هذا الأساس. ثم جاء القرار المفاجئ بعد التظلمات، ليبدد كل تلك الحسابات، ويكشف عن إدارة مرتبكة لا تحترم استقرار القواعد ولا مستقبل الكوادر الطبية.
هذا النهج، الذي يقوم على تغيير القواعد أثناء اللعبة، لا يعكس فقط سوء تخطيط، بل يعكس استهانة واضحة بالأطباء باعتبارهم مجرد أرقام في جداول التكليف، لا كوادر بشرية تحتاج إلى تدريب حقيقي لضمان سلامة المرضى وجودة الخدمة الصحية.
المستقبل المهني في مهب قرارات عشوائية
من جانبه، أكد الدكتور عمر عبدالفتاح، أحد الأطباء المعنيين بحركة نيابات مايو 2025، أن الأطباء واجهوا سلسلة متراكمة من القرارات المقيدة منذ تخرجهم، وأن تعديل بند «سماح المجموع» لم يكن سوى حلقة جديدة في مسلسل التضييق.
وأوضح عبدالفتاح في تصريحات صحفية أن خريجي دفعة مارس 2023 مُنعوا من التقديم على المستشفيات التعليمية، وحُصروا في المستشفيات المركزية التي تقل فيها فرص التدريب المتقدم، ما حرمهم منذ البداية من فرص اكتساب مهارات تخصصية حقيقية.
وأضاف أن المشكلة تفاقمت بحرمان أطباء المناطق النائية من الامتيازات التي كانت تمنحهم أولوية في التخصص والمكان خلال حركات النيابات السابقة، رغم عملهم في ظروف أصعب واحتياجهم لدعم مهني أكبر.
وأشار إلى أن وزارة صحة الانقلاب قللت عدد احتياجها من أطباء المناطق النائية مقارنة بأطباء تكليف المناطق المركزية، ما أدى إلى تقليص فرصهم في الحصول على التخصصات التي يرغبون فيها، وكرّس شعورًا عامًا بالظلم والتمييز داخل منظومة يفترض أنها قائمة على العدالة وتكافؤ الفرص.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى تعديل بند «سماح المجموع» باعتباره قرارًا إداريًا عابرًا. ما يحدث هو إعادة هندسة لمسار النيابات على حساب جودة التدريب ومستقبل الأطباء، وهو ما سينعكس بالضرورة على مستوى الرعاية الصحية المقدمة للمواطنين.
فطبيب بلا تدريب حقيقي اليوم، هو مريض بلا رعاية آمنة غدًا. وبين وزارة صحة انقلاب تصر على العبث، ونقابة عاجزة، يدفع الأطباء الشباب ثمن قرارات لا يملكون فيها لا صوتًا ولا خيارًا.

