مع اكتمال الشكل العام للبرلمان المصري بانتخاب أعضائه واجتماعه في المقر الجديد بالعاصمة الإدارية، ثم اختيار رئيسه ورؤساء وأعضاء لجانه الـ25 بالتزكية ومن دون منافسة تقريبًا، بدت الصورة العامة صادمة للمصريين؛ إذ امتلأت القوائم برؤساء لجان ونواب تحوم حولهم وحول عائلاتهم اتهامات بالنصب والاحتيال والتزوير والاتجار في السلع الفاسدة والاستيلاء على أراضي الدولة، إلى جانب موجة توريث صارخة وتمدّد واضح لرجال الأعمال وقيادات الأجهزة الأمنية، ما أعاد إلى الذاكرة صرخة زكريا عزمي تحت قبة مجلس الشعب في عهد حسني مبارك: «الفساد للركب».
برلمان الأجهزة والمال السياسي.. «القائمة الوطنية» تحكم
بعد ماراثون انتخابي هو الأطول في تاريخ البلاد (99 يومًا) لاختيار 568 عضوًا، استحوذت أحزاب «مستقبل وطن» و«حماة الوطن» و«الشعب الجمهوري» و«الجبهة الوطنية» المشكِّلة لـ«القائمة الوطنية» والمدعومة من الجهات السيادية، على 403 مقاعد بنسبة 70.9 بالمئة؛ بواقع 277 مقعدًا لحزب «مستقبل وطن» المحسوب على جهاز «الأمن الوطني»، و87 لحزب «حماة الوطن» التابع لـ«المخابرات الحربية»، و65 لحزب «الشعب الجمهوري»، و24 لحزب «الجبهة الوطنية» المرتبطين بـ«المخابرات العامة».
ثم جاء قرار عبد الفتاح السيسي بتعيين 28 شخصية، بينها المحامي العام الأول لنيابات أمن الدولة، ورئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السابق المستشار هشام بدوي (68 عامًا) الذي انتُخب رئيسًا للمجلس، ومعه رئيس حزب «الجبهة الوطنية» ووزير الإسكان السابق عاصم الجزار، الذي يشغل كذلك منصب رئيس مجلس إدارة قطاعات مهمة في «العرجاني جروب»، وكيلًا أول للمجلس.
خريطة رؤساء اللجان جسّدت هيمنة «الأجهزة والوزراء ورجال الأعمال»: فرئاسة اللجنة «الدستورية والتشريعية» ذهبت للمستشار محمد عيد محجوب (رئيس مجلس القضاء الأعلى ومحكمة النقض السابق)، ومعه وزير الشؤون النيابية السابق المستشار علاء الدين فؤاد وكيلًا أول، والمحامي العام الأول لنيابة أمن الدولة سابقًا المستشار طاهر الخولي وكيلًا ثانيًا، واللواء خالد خلف الله، القيادي السابق بجهاز «الأمن الوطني»، أمينًا للسر.
وفي لجنة «الدفاع والأمن القومي» تكرّست الصبغة العسكرية؛ إذ ترأسها رئيس حزب «حماة الوطن» وقائد القوات الجوية ووزير الطيران المدني السابق اللواء محمد عباس حلمي، ومعه اللواء إبراهيم المصري وكيلًا أول، وضابط الشرطة السابق محمد عبد الرحمن راضي أمينًا للسر. وامتد نفوذ «الأمن الوطني» إلى لجنة «القوى العاملة» عبر رشا حسني، أرملة المقدم الراحل بالجهاز محمد مبروك، كأمينة للسر، وإلى لجنة «التعليم» عبر اللواء السابق بـ«الأمن الوطني» عبد الحميد الشورى، شقيق اللواء زينهم الشورى.
على مستوى الوزراء السابقين؛ انتقل وزير الخارجية سامح شكري لرئاسة لجنة «العلاقات الخارجية»، ومحمد سعفان للجنة «القوى العاملة»، وطارق الملا للجنة «الطاقة»، والسيد القصير للجنة «الزراعة»، وأشرف الشيحي للجنة «التعليم»، ومحمود شعراوي –اللواء السابق ومساعد وزير الداخلية لقطاع «الأمن الوطني»– لرئاسة لجنة «الإدارة المحلية».
أما رجال الأعمال فحصدوا مواقع متقدمة: سحر طلعت، شقيقة رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ترأست لجنة «السياحة»، ومحمد الجارحي لجنة «المشروعات»، وطارق شكري لجنة «الشؤون الاقتصادية» ومعه سمير/سامي صبحي عليوة وكيلًا ثانيًا، وشريف مصطفى الجبلي لجنة «الشؤون الأفريقية»، ومحمد مجاهد لجنة «الشباب والرياضة».
نواب متهمون بالفساد و«برلمان صلة الأرحام»
بالتوازي مع هذه الخريطة، تداول نشطاء ومعارضون سيرًا ذاتية لنواب ورؤساء لجان تشير لتورطهم أو عائلاتهم في قضايا فساد ونصب واستيلاء على المال العام. من بين هؤلاء: النائب أحمد الشناوي، رئيس مجلس إدارة شركة «إدفا للتطوير العقاري» وعضو «مستقبل وطن»، الصادر بحقه حكم من محكمة «جنح الهرم» بالحبس 6 أشهر في قضية نصب واحتيال.
كما جرى التذكير باتهام النائب أحمد جبيلي في 7 قضايا تزوير وخيانة أمانة وشيكات بدون رصيد، واتهام والد النائبة يارا عزت شيبة –صاحب «شيبة للمقاولات»– بالاستيلاء على 227 فدانًا من أملاك الدولة على طريق (مصر–الفيوم)، وحكم بسجنه عامين في القضية رقم (8151) جنح طامية.
ولم تسلم دوائر رجال الأعمال: فالنائب ورجل الأعمال طارق شكري، عضو «مستقبل وطن» ورئيس شعبة الاستثمار العقاري باتحاد الغرف التجارية ورئيس مجلس إدارة مجموعة «عربية القابضة للاستثمار العقاري»، ارتبط اسمه باتهامات بالنصب. وكذلك النائب سمير صبحي عليوة، صاحب شركة «هانزادا للاستيراد والتصدير»، المتهم في قضايا اتجار باللحوم والدواجن غير الصالحة للاستهلاك الآدمي في محافظة دمياط. أما النائب شريف مصطفى الجبلي، مالك شركة «بولي سيرف» المتخصصة في الأسمدة الكيميائية، فقد ورد اسمه في القضية رقم (77 لسنة 2021) بتهم «النصب والتزوير».
إلى جانب الفساد، برزت ظاهرة «التوريث» و«صلة الأرحام» في تشكيل البرلمان؛ إذ أشار نشطاء إلى أسماء مثل سجى عمرو هندي ابنة النائب السابق وصاحب «النهار رويال للإلكترونيات»، ودينا وهدان البعلي ابنة النائب السابق وأصحاب «البعلي للأثاث»، وريهام أبو الحسن رمضان ابنة نائب سابق، وأسماء سعد سليم الجمال ابنة نائب ولواء راحل، ومي كرم جبر زوجة النائب هيثم الشيخ وابنة رئيس «المجلس الأعلى للإعلام» كرم جبر.
القائمة امتدت لتشمل ريهام راشد أبو ضيف شطوري ابنة صاحب «شطوري للمقاولات»، ويارا عزت شيبة ووالدها صاحب «شيبة للمقاولات»، وشيرين عيسى عليش ابنة مالك «ماريدايف» للخدمات البترولية والملاحية، وفاطمة الصادق زوجة النائب السابق رحمي بكير، وياسر نصر شقيق اللواء أسامة نصر مدير أمن الغربية، والنائبة غادة أحمد أبوكريشة ابنة نائب سابق، ودنيا هاني عبد العزيز سيف ابنة عائلة برلمانية تضم اللواء مجدي سيف والنائب السابق أحمد سيف.
الباحث في الشؤون التشريعية عباس قباري وصف المشهد بأنه «برلمان صلة الأرحام»، مشيرًا إلى ترشيح 4 وزراء حاليين من النواب، وبعض رجال الأعمال، لأبنائهم في القوائم الاحتياطية حال وفاتهم، لافتًا إلى أن القوائم ضمت 14 ابنًا، و3 أبناء أشقاء، و26 شقيقًا، و6 أبناء عمومة، وذكر بالاسم: ياسمين ابنة محمود شعراوي، وأحمد نجل محمد سعفان، ولجين نجلة عاصم الجزار، ومصطفى ابن السيد القصير، وطارق ابن محمد أبو العينين، وأحمد نجل الصحفي مصطفى بكري.
برلمان المحاسيب في عيون المراقبين.. من «تشكيل عصابي» إلى «رأسمالية المحاسيب»
في قراءة المراقبين، لا تُعد هذه الأسماء «استثناءات» بل تعبيرًا عن طبيعة النظام. الشاعر والناشط شادي جاهين يرى أن النظام الحاكم يبدو كـ«تشكيل عصابي» اغتصب السلطة وانقلب على إرادة الشعب، وأن المشترك بين معظم من ذُكرت أسماؤهم هو الولاء المطلق للنظام، معتبرًا أن الأنظمة الانقلابية الفاسدة تشكل بيئة مثالية لينمو فيها أمثال هؤلاء، وأنها «لن تجد أفضل منهم» لتولي المناصب، قبل أن يختصر المشهد بعبارته القاسية: «يا عزيزي: كلهم لصوص».
الأكاديمي المصري الدكتور مصطفى الجمال يصف الأساس الاجتماعي للسلطة بأنه «رأسمالية المحاسيب»؛ رأسمالية طفيلية غير منتجة في الأغلب، تقوم على القرابات والمصاهرات والفساد الشبكي المتبادل. ويؤكد أن ممثلي هذه «الرأسمالية» يتمتعون بالسلطة والثراء وقوة المنصب وبيع الولاء، وأن مفاسدهم نفسها تتحول إلى «بطاقة ضمان» يملكها النظام فلا يجرؤون على التمرد. ويرى الجمال أن كسر هذه الحلقة لا يكون إلا بعودة النخب إلى العمل السياسي الجاد وبناء أحزاب حقيقية ونقابات وكيانات شعبية واسعة.
أما الكاتب الصحفي والمحلل السياسي سيد أمين فيلخّص أسباب الحرص على ضم الأسماء المشبوهة للبرلمان في أربعة محاور: أولًا، أنهم الأكثر ولاءً لمن أتى بهم ويحميهم من السجن؛ ثانيًا، امتلاكهم قدرات مالية وشبكات منتفعين واسعة تشتري الذمم وتمنح النظام «شعبية رديئة» لكنها مفيدة؛ ثالثًا، إمكانية التضحية بهم لاحقًا لادعاء «محاربة الفساد» أمام الداخل والخارج؛ ورابعًا، أن وجودهم نفسه يرسل رسالة طمأنة لشبكات المنتفعين بأن النظام مستقر وغير عابئ بانتقادات المعارضة.
هذا النمط لا يقتصر على مجلس النواب؛ فاختيارات رؤساء وأعضاء وأمناء سر لجان مجلس الشيوخ الـ14 جاءت امتدادًا للمنطق ذاته: في لجنة «الشؤون المالية» اختير رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة رئيسًا، ومعه الوزيرة السابقة سحر نصر –المرتبطة بمؤسسات مثل اتحاد «البنوك العربية» و«آليانز لتأمينات الحياة» و«ابن سينا فارما» و«إيزي كاش»– وكيلة، وفي لجنة «الصناعة والتجارة» تولى رجل الأعمال محمد حلاوة رئاستها، ومعه السعيد أحمد عبد المقصود، وسامح عصمت السادات، وكيلين.
وفي لجنة «الطاقة والبيئة والقوى العاملة» ترأسها وزير البترول السابق أسامة كمال صاحب مواقع قيادية بشركات بترول، ومعه جلال عبد الله عبد العزيز القادري، صاحب «النور للهندسة والمقاولات»، وكيلًا. وفي لجنة «الإسكان والإدارة المحلية والنقل» ظهر اسم رجل الأعمال أحمد صبور، رئيس مجلس إدارة «الأهلي صبور للتطوير العقاري»، أمين سر.
قائمة رجال الأعمال تمتد إلى لجنة «التعليم والاتصالات» برئاسة محمد نبيل دعبس، ومعه المستثمر في التعليم نادر يوسف نسيم –رئيس مجلس أمناء جامعة «اللوتس» الخاصة والعضو المنتدب في «المتحدة الدولية للخدمات التعليمية»– وعضو «نادي ريادة الأعمال» غادة البدوي، وإلى لجنة «الشباب والرياضة» برئاسة أحمد دياب رئيس رابطة الأندية والرئيس التنفيذي لشركة «فيوتشر» مالكة نادي «فيوتشر» ومؤسس «زد للاستثمار الرياضي» مالكة نادي «زد»، مع حزمة مناصب في «الصعيد الوطنية للصلب» و«ليبرتي برودكشن» و«فيوتشر أوتوموتيف»، ووكيل هو رجل الأعمال هاني العتال، مالك «العتال للحديد والصلب» ورئيس مجلس إدارة قناتي «لايت» و«ETC»، وأمين سر رجل الأعمال نشأت حتة.
ولا يقل حضور رجال الأعمال في لجنة «الصحة والسكان» برئاسة اللواء الطبيب هشام مسعد الششتاوي –مدير المركز الطبي العالمي ومدير إدارة الخدمات الطبية بالقوات المسلحة سابقًا– مع رجل الأعمال الدوائي خالد قنديل (مؤسس «هالي فارما» و«طيبة فارما» و«نيو فارما ستورز») كأمين سر، وفي لجنة «الزراعة والري» حيث برز رجل الأعمال جمال أبو الفتوح، رئيس مجلس إدارة «إيفر جرين للتجارة»، وكيلًا، ورجل الأعمال محمد إبراهيم شعيب، مدير وشريك «أجرومن للزراعة وتصدير المنتجات الزراعية»، أمينًا للسر.
واكتملت الحلقة بتعيين قائمة من كبار الضباط بمجلس الشيوخ: الرئيس السابق لهيئة الشراء الموحد اللواء بهاء الدين زيدان، وقائد المنطقة الشمالية العسكرية اللواء سليمان الزملوط، وقائد الحرس الجمهوري السابق اللواء مصطفى شوكت، وقائد قوات الدفاع الجوي الفريق عبد العزيز سيف الدين، في مشهد يرسخ أن «برلمان السيسي» ببيتيه –النواب والشيوخ– ليس برلمان رقابة وتشريع مستقل، بقدر ما هو غرفة سياسية تابعة للأجهزة، مملوءة برجال الأعمال والمحاسيب والمتهمين بالفساد، تُشرعن السياسات وتغلق ما تبقى من أبواب المحاسبة.

