لم يعد الحديث عن أزمة الديون في مصر مجرد نقاش اقتصادي تقني، بل صار توصيفًا لحالة انهيار سيادي كامل الأركان.

 

فبينما تتوالى التحذيرات الدولية من مخاطر الإفلاس وتآكل القدرة على السداد، تخرج الحكومة بخطاب دعائي يتحدث عن “معدلات نمو 5.3%” و”خفض الدين لأدنى مستوياته منذ 50 عامًا”، في تناقض فج مع الواقع المعيشي والأرقام الفعلية.

 

غير أن الأخطر من هذا التناقض هو الحل الحقيقي الذي يجري تمريره بهدوء: مبادلة الديون بالأصول، أي نقل الأزمة من كونها مشكلة سيولة مؤقتة إلى عملية بيع ممنهجة للدولة نفسها، أصلًا بعد أصل.

 

حين تتحول الأزمة إلى سياسة: مبادلة الديون بالأصول كنموذج للتفكيك المنظم

 

ما يُقدَّم للرأي العام على أنه “إنقاذ” من شبح الإفلاس، ليس في جوهره سوى تتويج لمسار طويل من السياسات التي حوّلت الدين العام من أداة تمويل إلى أداة ابتزاز سيادي. فبدلًا من مراجعة العقود المجحفة، أو مساءلة منظومة الإنفاق، أو استرداد الموارد المهدرة، يجري التعامل مع أصول الدولة بوصفها مخزونًا للبيع لسد فجوات خلقتها سياسات فاشلة أصلًا.

 

مبادلة الديون بالأصول تعني عمليًا رهن الموانئ، والأراضي، وشركات الطاقة، والبنية التحتية، مقابل تأجيل الأزمة لا حلها. وهي لا تعالج أصل المشكلة، بل تُغلق الباب أمام أي إصلاح حقيقي قائم على المحاسبة، وتُحوّل الدين إلى أداة دائمة لانتزاع السيادة، قطعة بعد قطعة، تحت لافتة “الإصلاح”.

 

حقل ظهر: جريمة اقتصادية موثقة وأحد جذور الانهيار

 

يمثل عقد حقل ظهر للغاز نموذجًا صارخًا لكيفية صناعة الأزمة. ففي فبراير 2015، وقّعت الحكومة المصرية عقدًا مع شركة إيني الإيطالية دون مناقصة علنية أو رقابة برلمانية فعالة، في لحظة ضعف مالي شديد.

 

ورغم أن العقد يتبع شكليًا نموذج تقاسم الإنتاج (PSA)، فإنه جاء بشروط استثنائية مجحفة:

 

  • 70% من إيرادات الغاز تذهب لإيني
  • 30% فقط لمصر، منها 60% لا تدخل الموازنة العامة وفق تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات 2024

 

وبحسب تقديرات 2024:

 

  • الإنتاج: 1.38 مليار قدم مكعب يوميًا (نحو 14.27 مليار متر مكعب سنويًا)
  • القيمة السوقية السنوية: 2.04 مليار دولار
  • ما يذهب لإيني سنويًا: 1.428 مليار دولار

 

الأخطر أن الإدارة الوطنية لو كانت قائمة، لاحتفظت مصر أو كسبت 963 مليون دولار إضافية سنويًا بدل فقدانها. والنتيجة الكارثية أن مصر، رغم امتلاكها فائض إنتاج، تُجبر على تصدير الغاز بأسعار منخفضة، ثم تستورد الغاز المسال بأسعار أعلى، في معادلة تبعية طاقوية تُهدر مليارات الدولارات سنويًا.

 

غاز إسرائيل: ابتزاز استراتيجي يستنزف السيادة والعملة الصعبة

 

إلى جانب ذلك، جاءت اتفاقيات الغاز مع إسرائيل (2018–2020) لتضيف طبقة جديدة من الاستنزاف. فبند “خذ أو ادفع” (Take or Pay) يلزم مصر بشراء كميات محددة حتى 2040، أو دفع قيمتها مهما كانت الظروف، بإجمالي يصل إلى 130 مليار متر مكعب، وبقيمة مضمونة تقارب 35 مليار دولار.

 

صيغة التسعير وحدها كاشفة:

 

  • السعر = (0.115 × سعر برنت) + 1.25 دولار
  • عند برنت 60 دولارًا: 8.15 دولار/MMBtu
  • تكلفة الإنتاج الإسرائيلية: 1.5 – 2.0 دولار/MMBtu
  • هامش ربح يصل إلى 300–400%

 

في 2024:

 

  • التدفق الفعلي: 1.3 مليار متر مكعب
  • المدفوعات: 1.8 – 2.0 مليار دولار
  • القيمة الحقيقية المستلمة: أقل من 400 مليون دولار
  • الخسارة الصافية السنوية: أكثر من 1.4 مليار دولار

 

هذه ليست تجارة، بل استنزاف مباشر للعملة الصعبة، وتحويل دائم للموارد إلى دولة احتلال، في وقت يُطلب فيه من المصريين تحمّل “الإصلاح”.

 

الحساب النهائي: ديون مصنوعة وخسائر تعادل قناة السويس

 

عند جمع الخسائر:

 

  • أرباح إيني من ظهر: 1.428 مليار دولار
  • خسارة الإدارة الوطنية للحقل: 0.963 مليار دولار
  • الربح الفاحش لإسرائيل: 1.4 – 1.8 مليار دولار
  • غرامات “خذ أو ادفع”: نحو 0.4 مليار دولار
  • الإجمالي السنوي: 4.191 – 4.591 مليار دولار

 

وهو رقم يعادل أو يتجاوز إيرادات قناة السويس 2025 (4 مليارات دولار).

 

لو حُفظت هذه الأموال، لغطّت نحو 70% من العجز الجاري، ولما احتاجت الدولة إلى بيع أصولها تحت شعار “مبادلة الديون”.

 

مصر ليست فقيرة… بل مُنهَبة

 

ما تواجهه مصر ليس أزمة ديون تقليدية، بل أزمة سيادة على الثروة. ومبادلة الديون بالأصول ليست حلًا، بل اعترافًا رسميًا بالفشل في حماية الموارد. البديل واضح: مراجعة قانونية شاملة للعقود، استرداد الأموال المنهوبة، وإدارة وطنية حقيقية للثروة.

 

الأمم لا تفلس لقلة الموارد، بل حين تُدار لمصلحة غير شعوبها. ومصر، بكل الأرقام، ليست فقيرة… بل مُنهَبة.