أثار قرار حكومة الانقلاب بوقف العمل بآلية «صافي القياس» (Net Metering) عاصفة من الانتقادات داخل أوساط شركات الطاقة المتجددة والصناعة، باعتباره ضربة مباشرة لجدوى مشروعات الطاقة الشمسية، وتراجعًا فادحًا عن مسار التحول للطاقة النظيفة.
القرار الصادر عن جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك دون حوار مجتمعي أو خطة بديلة، جاء في توقيت بالغ الحساسية، بينما تروّج الحكومة للتوسع في الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على استيراد الغاز. خبراء يحذرون من خسائر بمليارات الجنيهات، وتهديد مباشر لنحو 168 شركة مؤهلة، فضلًا عن إرباك القطاع الصناعي وحرمانه من أداة رئيسية لخفض التكلفة والالتزام بمعايير التصدير المرتبطة بالبصمة الكربونية.
قرار بلا تشاور: كبح الاستثمار بدل تنظيمه
سمح نظام «صافي القياس» لمنتجي الكهرباء من الطاقة الشمسية بتغذية الشبكة بفائض الإنتاج مقابل خصمه من الاستهلاك عبر عداد ثنائي الاتجاه، ما أتاح لمئات المصانع والفنادق والمباني التجارية الاستثمار دون أعباء البطاريات، وجعل الشبكة «مخزنًا مؤقتًا» للطاقة الزائدة. إيقاف هذه الآلية فجأة، ومن دون اجتماعات تشاورية منذ الإعلان الأول في مارس 2025، يرسل رسالة سلبية للمستثمرين: القواعد قابلة للتغيير في أي وقت.
رفضت شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة القرار، مؤكدة التمسك بالتشريعات المنظمة لربط محطات الطاقة الشمسية باعتبارها إطارًا قانونيًا معتمدًا دعم الاستثمار لسنوات. ويرى مختصون أن التنظيم الحقيقي لا يكون بإلغاء الآليات الناجحة، بل بتطويرها تدريجيًا، ووضع سقوف تقنية وتعاقدية واضحة تضمن استقرار الشبكة دون قتل السوق.
168 شركة على المحك وخسائر بمليارات
يشرح خبير الطاقة الشمسية المهندس محمد توما أن «صافي القياس» كان حجر الزاوية لنمو سوق المحطات الصغيرة والمتوسطة، ومكّن المصانع من خفض التكاليف دون استثمارات رأسمالية ضخمة. ويؤكد أن نحو 168 شركة مؤهلة تعمل مباشرة بالنظام، وأكثر من ألف شركة بصورة غير مباشرة، بإيرادات سنوية تتجاوز 30 مليار جنيه. وقف النظام، وفق توما، يُفقد مشروعات مدرجة في دراسات الجدوى أساسها الاقتصادي، ويجمّد عقودًا، ويبدّد مصروفات تسويق وتدريب كوادر أُنفقت سلفًا.
ويضيف أن الخسائر لا تتوقف عند الشركات المتخصصة، بل تمتد للصناعة ككل: ارتفاع فترة استرداد رأس المال، ضبابية التخطيط، وتراجع تنافسية الصادرات في أسواق تشترط خفض الانبعاثات. الأخطر أن القرار يضرب الثقة، وهي العملة الأهم في الاستثمار طويل الأجل.
فائض قدرات أم سوء إدارة؟
تسوق الحكومة مبرر «فائض القدرات المركبة» التي تتجاوز 60 جيجاوات مقابل أحمال قصوى أقل، لتبرير تقييد «صافي القياس». لكن خبراء يرون هذا المنطق قصير النظر. فالفائض الحالي نتاج سياسات توسع غير متوازنة، ولا ينبغي معالجته بخنق الطلب اللامركزي النظيف، بل بإدارة أحمال ذكية، وتحفيز التخزين، وتحسين كفاءة الشبكات.
في هذا السياق، يقول الخبير التنفيذي المهندس أشرف أبو العيش إن القرار «يثير تساؤلات جوهرية» في غياب خطة بديلة واضحة أو تصور لمصير الاستثمارات. ويؤكد أن القطاع—بما فيه الجهات الحكومية—شارك في بناء منظومة الطاقة الشمسية، وأن وقف آلية أساسية لنمو السوق لا يمكن اعتباره إجراءً بسيطًا. ويتساءل: هل جرى تقييم أثر القرار على الاستثمارات القائمة؟ وهل لم تعد الشبكة بحاجة إلى «صافي القياس»؟ ولماذا جاء القرار بينما تعلن الدولة استهداف رفع مساهمة المتجددة إلى 40–45% بحلول 2040؟
تناقض مع التعهدات الدولية والصناعية
يتعارض وقف «صافي القياس» مع التزامات مصر المناخية التي أُعلن عنها في مؤتمرات دولية، ومع احتياجات القطاع الصناعي للامتثال لمعايير البصمة الكربونية في أسواق التصدير. المصانع التي اعتمدت الطاقة الشمسية لتقليل التكلفة والانبعاثات تجد نفسها اليوم أمام خيارين أحلاهما مر: العودة للطاقة التقليدية الأعلى تكلفة وانبعاثًا، أو تجميد التوسع.
ويحذر الخبير والاقتصادي في شؤون الطاقة حافظ سلماوي من أن القرارات الفجائية ترفع علاوة المخاطر وتدفع المستثمرين لإعادة تسعير السوق أو الانسحاب. ويؤكد أن البديل الرشيد هو مسار انتقالي: تعديل تعريفة «صافي القياس»، أو التحول إلى «القياس الصافي الزمني»، أو وضع سقوف ربط مرحلية، مع إعلان خريطة طريق زمنية وتعويضات عادلة للعقود القائمة.
وفي النهاية فوقف «صافي القياس» ليس تنظيمًا للسوق بقدر ما هو كبح له. القرار يضرب الثقة، ويهدد شركات قائمة، ويُربك الصناعة، ويتناقض مع تعهدات التحول الطاقي. إذا كانت دولة العسكر جادة في الطاقة المتجددة، فعليها أن تُصلح الإدارة لا أن تُلغِي الآليات الناجحة. التنمية المستدامة لا تُبنى بالقرارات المفاجئة، بل بسياسات مستقرة تحمي المستثمر والمستهلك والبيئة معًا.

