أفادت صحيفة "ذا جويش كرونيكل" نقلاً عن مصدر مصري مطلع أن القاهرة تسعى جاهدة للتوصل إلى ما يُعدّ اتفاق سلام مُعدّل بحكم الأمر الواقع مع إسرائيل.
وقالت إن هذا التعديل يُعد رد فعل مباشر على ما يصفه بأنه "احتلال" إسرائيل العسكري لممر فيلادلفيا منذ بدء الحرب في غزة، وهو إجراء تعتبره مصر توسعًا غير شرعي لحدود إسرائيل وخرقًا أحادي الجانب لاتفاقيات كامب ديفيد التأسيسية لعام 1979.
وفقًا للصحيفة اليهودية التي تصدر أسبوعيًا في لندن، فإن الاتفاقية رسّخت بشكل نهائي الحدود الدولية المعترف بها، وأنشأت مناطق عسكرية محددة ومحدودة في سيناء لضمان الأمن المتبادل، كما ألزمت الدولتين بالاعتراف الدبلوماسي الكامل وتطوير علاقات اقتصادية طبيعية.
الوجود العسكري الإسرائيلي في محور فييلادلفيا
وأشارت إلى أنه منذ 7 أكتوبر 2023، واستيلاء إسرائيل اللاحق على ممر فيلادلفيا والجانب الغزي من رفح، تؤكد القاهرة أن هذه الأسس قد تحطمت، إذ "تعتبر الوجود العسكري الإسرائيلي غير المحدد المدة في ممر فيلادلفيا، وهي منطقة عازلة على طول حدودها، انتهاكًا صارخًا للوعد الأساسي للمعاهدة: احترام السيادة والحدود غير القابلة للانتهاك كما هو محدد في المادة الثانية".
واعتبرت الصحيفة أن "هذا ليس نزاعًا بسيطًا، بل إنه يمس جوهر السلامة الإقليمية التي صُممت المعاهدة لضمانها". وأشارت إلى أنه فيما يتعلق بالأمن، وعلى الرغم من التآكل الشديد للثقة، يستمر التنسيق لسبب بالغ الأهمية: منع نشوب حرب كارثية غير مقصودة، وفق قولها.
وقالت "ذا جويش كرونيكل"، إن "القاهرة ترى أن العداء المصري الداخلي تجاه إسرائيل، والذي تغذيه الحرب في غزة، يجعل احتمالية حدوث خطأ في التقدير واردة بشكل خطير، ولذلك، تصر على إبقاء جميع آليات منع الصراع العرضي فعّالة، لضمان ألا تنجم أي حرب مستقبلية إلا عن قرار حكومي متعمد".
الصفقات التجارية بين مصر وإسرائيل
وفيما يتعلق بالتجارة، ذكرت الصحيفة أن مصر تتمسك بموقفها القائل بضرورة فصل الصفقات التجارية عن الضغوط الجيوسياسية. وتُعدّ صفقة الغاز التاريخية البالغة قيمتها 35 مليار دولار، والتي بموجبها سيتم تصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر حتى عام 2040، مثالاً بارزًا على ذلك.
فعلى الرغم من محاولات إسرائيل ربط الموافقة النهائية على الصفقة بخفض القوات المصرية في سيناء، وعلى الرغم من الشائعات التي تُصوّرها كجزء من ترتيب جيوسياسي أوسع، إلا أن القاهرة أصرّت على أن تتم الصفقة على أساس تجاري بحت، بحسب الصحيفة.
رفض اعتماد سفيرًا لإسرائيل بالقاهرة
أما على الصعيد الدبلوماسي، فأشارت إلى تبلور موقف مصر إلى مبدأ راسخ: "السبق في الاعتراف والتأخر في التطبيع. ويتجلى هذا التوتر الدبلوماسي في امتناع حكومة السيسي عن الموافقة على تعيين أوري روتمان سفيرًا لإسرائيل في القاهرة، وفي ترك مصر منصب سفيرها في تل أبيب شاغرًا".
وكان من اللافت للنظر بحسب ما ذكرت، أنه تم استبعاد روتمان من حفل اعتماد أوراق اعتماد الرسيسي المقرر في مارس 2025، في تجاهل علني تزامن مع ذكرى معاهدة السلام نفسها (التي وُقعت في 26 مارس 1979).
وبناءً على ذلك، أوضحت الصخيفة أن مصر تعتبر الوضع الراهن قبل السابع من أكتوبر متقادمًا. واستنادًا إلى ما نقلته عن مصادرها الخاصة، تعمل القاهرة حاليًا على صياغة إطار عمل جديد بحكم الأمر الواقع للعلاقات، قائم على الشروط التالية غير القابلة للتفاوض:
استمرار الوجود العسكري في سيناء
لن تتخلى مصر عن تعزيزاتها العسكرية المتزايدة في سيناء، والتي تعتبرها رادعًا ضروريًا. ويهدف هذا الموقف تحديدًا إلى منع أي محاولة إسرائيلية محتملة لتهجير سكان غزة قسرًا إلى الأراضي المصرية، وهو احتمال وصفه المسؤولون المصريون بأنه "إعلان حرب". وستطالب مصر إسرائيل بقبول هذا الواقع الأمني الجديد كنتيجة لتدخلها الأحادي في المناطق الحدودية.
دبلوماسية مشروطة ومحدودة
باتت العودة إلى الدبلوماسية على مستوى القمة، مثل اجتماع السيسي ونتنياهو عام 2017 مشروطة صراحةً بانسحاب إسرائيلي كامل من غزة والتزام جاد بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
وقالت الصحيفة إنها كما توقعت في ديسمبر، رفضت القاهرة دعوة الرئيس ترامب للسيسي لزيارة منتجع مارالاجو، ورفضت أيضًاً قمة ثلاثية مقترحة برعاية الولايات المتحدة، لعدم استيفاء هذه الشروط.
التعاون المجزأ
سيستمر التنسيق الأمني والتجارة، مثل اتفاقية الغاز، لكن يجب فصلهما عن المفاوضات السياسية الأوسع. وتصر القاهرة على أنه لا يمكن لإسرائيل استخدام هذه الشراكات كوسيلة ضغط لانتزاع تنازلات جيوسياسية، مثل قبول حل لغزة يتعارض مع المصالح المصرية.
المشاركة وفق شروط القاهرة فقط
تنص العقيدة المصرية الحالية على أن المشاركة الاستراتيجية تتم حصرًا وفق شروطها الخاصة، ويتجلى ذلك بوضوح في التناقض الصارخ بين رفض السيسي المتكرر زيارة البيت الأبيض وقراره باستقبال الرئيس ترامب استقبالاً حافلاً في قمة شرم الشيخ في أكتوبر 2025، وهو الحدث الذي أتاح للقاهرة صياغة جدول الأعمال مع الشركاء الإقليميين، والأهم من ذلك، في غياب إسرائيل.
وقالت الصحيفة إن مصر، في جوهرها بدأت باستغلال اتفاقيات كامب ديفيد كسلاح استراتيجي. فهي تُدرك أن إدارة ترامب، المُتمسكة بإرثه الشخصي كصانع سلام، لا يُمكنها تحمّل الشرخ السياسي الذي قد يترتب على تعليق معاهدة السلام العربية الإسرائيلية الأساسية. ومن خلال استغلالها البارع لهذا الضعف، جعلت القاهرة مطالبها في غزة شاغلاً رئيسيًا لا مفر منه لواشنطن، مما عزز نفوذها على كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
ورأت أن إعادة التموضع الاستراتيجي هذه ليست نظرية، بل تتجلى في التحدي الدبلوماسي المحسوب وغير المسبوق إلى حد كبير الذي اتخذته مصر، بما في ذلك رفض الرئيس السيسي زيارة البيت الأبيض، مما يجعله الزعيم الوحيد لدولة عربية كبرى لم يزر الولايات المتحدة بعد.
وكما خلصت الصحيفة نقلاً عن المصدر، فإنه في أعقاب اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وهو خط أحمر مصري آخر انتهكته إسرائيل، بات من المستحيل عمليُا العودة إلى الوضع الراهن قبل السابع من أكتوبر- والذي يُطلق عليه غالبًا "السلام البارد"، "لم تُهدم أسس كامب ديفيد، لكنها تُعاد تشكيلها بشكل جذري، وربما دائم، بفعل تداعيات الحرب".
https://www.thejc.com/opinion/analysis/egypt-is-revising-its-peace-agreement-with-israel-ruyuvq58

