قال معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (واشنطن انستيتيوت) إن موافقة إسرائيل على اتفاقية تصدير الغاز الطبيعي إلى مصر في 17 ديسمبر الماضي، بقيمة 35 مليار دولار بعد شهور من التأجيل هي تطور مرحب به، ولكن ينبغي على المسؤولين الأمريكيين أن ينظروا إليها على أنها بداية، وليست نهاية، الجهود المبذولة لتخفيف التوترات بين شريكين رئيسين في السلام.
وقال ديفيد شينكر، زميل تاوب الأول في معهد واشنطن ومدير برنامج روبين للسياسة العربية، وسيمون هندرسون، زميل بيكر الأول في المعهد ومدير برنامج بيرنشتاين لسياسات الخليج والطاقة، إنه ينبغي على واشنطن أن تشعر بالقلق إزاء استمرار تدهور العلاقات بين مصر وإسرائيل منذ اندلاع حرب غزة، وأشارا إلى أن عقد الغاز قد يكون قد أخّر المزيد من التدهور في الوقت الراهن، لكن التوقعات طويلة الأجل لا تبعث على الاطمئنان.
تصاعد التوترات
ووصفا العلاقات المصرية الإسرائيلية بأنها تدهورت بشكل صارخٌ، لا سيما بعد أن بلغت ذروتها التاريخية في العقد الذي سبق حرب غزة، ووأوضحا أن إسرائيل لم تكتفِ بتقديم دعمٍ ماديٍّ كبيرٍ للحملة العسكرية المصرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء، بل سمحت أيضًا للقاهرة بنشر قواتٍ ومعداتٍ ثقيلةٍ في شبه الجزيرة.
وذكر شينكر وهندرسون أن عدد القوات تجاوز بكثير الحدود المنصوص عليها في الملحق الأمني لمعاهدة السلام الموقعة عام 1979، واستمر هذا النهج حتى عندما أصبحت بعض جوانب هذه الانتشار العسكري مثيرةً للجدل.
ولفتا إلى أنه بين عامي 2013 و2023، على سبيل المثال، شيدت القوات المصرية في سيناء ميناءً بحريًا، وملاجئ للطائرات، ومركز عمليات تحت الأرض، وكلها محظورة صراحةً بموجب المعاهدة، ولا يبدو أن أيًا منها ضروري لمهمة مكافحة الإرهاب الداخلي، بحسب زعمهما.
وقال الباحثان بمعهد واشنطن إن المسؤولين الإسرائيليين كانوا يميلون إلى التغاضي عن هذه الانتهاكات، أو في أحسن الأحوال، الإشارة إليها لسلطة حفظ السلام الدولية بقيادة الولايات المتحدة دون اتخاذ أي إجراءات أخرى.
خلال ذروة التعاون، كشف شينكر وهندرسون عن أن قائدًا في سلاح الجو الإسرائيلي قام بزيارة شخصية إلى قاعدة مليز الجوية المصرية في سيناء، وهي زيارة لم يُعلن عنها، وكانت بمثابة مباركة رمزية للمنشأة المحظورة.
تدهور العلاقات
إلا أن العلاقات الثنائية- كما رصد الباحثان- شهدت تدهورًا مطردًا منذ عام 2023 وسط تصاعد حصيلة القتلى في غزة ومخاوف القاهرة من نزوح جماعي للفلسطينيين إلى مصر. ففي مايو الماضي، على سبيل المثال، قُتل جندي مصري خلال تبادل لإطلاق النار مع القوات الإسرائيلية قرب رفح.
وفي الشهر نفسه، انضمت القاهرة إلى قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية. وفي القمة العربية الإسلامية في سبتمبر، وصف عبدالفتاح السيسي إسرائيل بـ"العدو"، وهي المرة الأولى التي يُسمع فيها مثل هذا الوصف في تصريحات رسمية مصرية منذ عقود.
وأشارا إلى أن إسرائيل ردت جزئيًا على هذه الأحداث، بتعمّد تأخير صفقة الغاز الجديدة، مما هدد أمن الطاقة المصري، وهو ما يُعدّ أحدث انحدار في العلاقات المتوترة.
الحسابات السياسية الإسرائيلية
وأشارا إلى تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عند إعلانه عن رخصة الغاز الشهر الماضي، التي قال فيها: "وافقتُ على الصفقة بعد التأكد من مصالحنا الأمنية وغيرها من المصالح الحيوية، والتي لن أتطرق إليها بالتفصيل هنا"، إلا أنه لا زال من غير الواضح ما الذي حصل عليه تحديدًا بخلاف الالتزامات التجارية، بحسب ما قال الباحثان.
لكنهما إلى أن نتنياهو لا شكّ في أنه يعتزم الحصول على بعض التنازلات السياسية في المقابل، مثل تخفيف حدة التوترات الثنائية، وإلغاء عسكرة القاهرة في سيناء، وتعزيز التعاون المصري في تأمين غزة ما بعد الحرب، وعقد قمة مع السيسي، فيما اعتبراه يصبّ في الهدف الأوسع المتمثل في تعزيز اندماج إسرائيل في المنطقة.
ورأى الباحثان أن التصريحات المصرية الرسمية التي تنفي أي بُعد سياسي للاتفاق تشير إلى أن السيسي لا يُبدي اهتمامًا يُذكر بالتواصل مع الحكومة الإسرائيلية الحالية، على الأقل في الوقت الراهن.
ومع ذلك، قالا إن المراقبين يتكهنون بإمكانية نجاح إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في عقد قمة ثلاثية في الولايات المتحدة، إذ "يُعرف عن السيسي ابتعاده عن نتنياهو، لكن الرئيس ترامب أثبت قدرته على الإقناع في مواقف مماثلة. إلا أن الرئيس ترامب، خلال ولايته الحالية، لم يلتقِ بالسيسي إلا على هامش مؤتمر غزة الذي عُقد في شرم الشيخ خريف العام الماضي".
دور الولايات المتحدة
على الرغم من أن اتفاقية الغاز قد أوقفت تدهور العلاقات المصرية الإسرائيلية مؤقتًا، إلا أن الأمور ليست على ما يرام، كما ذكر الباحثان، فلم يلتقِ نتنياهو والسيسي منذ نحو ثماني سنوات.
وقال إنه ومع مضي إدارة ترامب قدمًا في المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة، ستزداد أهمية التعاون المصري الإسرائيلي الفعال. ولكن في غياب تحسن في العلاقات العملية، قد يؤدي ذلك إلى تصعيد التوترات الثنائية في غزة.
وأشار إلى ما تناقلته التقارير عن أن جهود البيت الأبيض كانت حاسمة في إقناع إسرائيل بالموافقة النهائية على اتفاقية الغاز، والتي مثّلت مكسبًا للإدارة حتى بدون قمة ثلاثية.
وأكدا أن الرئيس ترامب مُحقّ في أن الاتفاقيات الاقتصادية تُعزز الاستقرار الإقليمي، وأن عقد الغاز هذا كان خطوة أولى ضرورية.
مع ذلك، أشارا إلى أنه ينبغي أن يكون هذا العقد بدايةً، لا نهايةً، لجهود الولايات المتحدة الرامية إلى إصلاح العلاقات بين أول شريكين في السلام بالمنطقة.
وأوضح الباحثان أن القاهرة تُحجم عن إعلان تقاربها مع إسرائيل علنًا بعد الحرب، لكن الدبلوماسية الأمريكية الهادئة قادرة على إحداث تغيير إيجابي كبير في الكواليس، ومن خلال تكثيف الانخراط، تستطيع الإدارة تعزيز حوارات مثمرة بين مصر وإسرائيل، والانتقال من المسائل التجارية إلى محادثات جوهرية حول مستقبل غزة وسيناء السياسي.
https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/building-egypt-and-israels-uneasy-gas-deal

