في غرفة ضيقة بأحد أحياء الخرطوم، تجلس “مريم” – اسم مستعار – محنية الرأس، ترتجف أطرافها، وتفيض عيناها بدموع صامتة، كأنها تحاول حبس الذكريات خلف جدار من الصمت. تحاول الحديث، لكن الكلمات تخونها، فالجريمة التي تعرضت لها أثقل من أن تُروى بسهولة. ليست “مريم” حالة فردية، بل واحدة من آلاف النساء والفتيات اللواتي تحوّلت أجسادهن إلى ساحة حرب مفتوحة في السودان.
منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، لم تعد الحرب تقتصر على المدافع والرصاص، بل امتدت إلى المنازل، والمخيمات، وأجساد المدنيين، وسط اتهامات متصاعدة باستخدام العنف الجنسي كسلاح ممنهج لإذلال المجتمعات وكسرها.
رحلة نجاة تحولت إلى كابوس
كانت “مريم” تحاول الفرار من أتون المعارك في ولاية الجزيرة متجهة إلى الخرطوم، بحثًا عن ملاذ آمن. لكن عند حاجز عسكري على طريق صحراوي موحش، أُوقفت السيارة التي تقلها مع آخرين. جرى تفتيش الركاب، ثم جرى اختيارها وحدها.
تروي بصوت متحشرج: “قالوا تفتيش… بعدين نادوني أنا، وودوني حتة بعيدة، غرفة فاضية فيها فرش… قال لي ارقدي هنا”. تتوقف قليلًا، ثم تهمس: “بعد داك اغتصبوني… الاثنين”.
عادت إلى السيارة مكسورة، تتجنب عيون الركاب التي بدورها تهرب من مواجهتها. تقول قريبتها التي كانت معها: “حكت لينا شنو العملوه فيها، وكم نفر كانوا… ديل قوات الدعم السريع. بعد داك وديناها للدكتور”.
مشهد أكثر قسوة في الفاشر
في مدينة الفاشر، تتجسد المأساة بصورة أشد وحشية. “أم كلثوم” – طالبة في كلية الطب – تروي كيف اقتحمت قوات الدعم السريع منزلهم، وقتلوا خالها الذي ربّاها أمام عينيها. ثم جاء الدور على الفتيات.
تقول بصوت خافت: “كنا أربع بنات، معانا بنات جيران… اغتصبونا كلنا، بطريقة وحشية”.
قصتان من بين مئات، وربما آلاف، لا تجد طريقها إلى الإعلام أو المحاكم، بسبب الخوف من الوصمة، وغياب العدالة، وانهيار مؤسسات الدولة.
أرقام تفوق الخيال
يكشف الدكتور عماد الدين عبد الله الصديق، مدير مستشفى الولادة بأم درمان، عن حقائق صادمة:
- أعداد الاغتصابات “تفوق الحصر”.
- الضحايا ليسوا نساء فقط، بل أطفال ورضع.
- تسجيل أكثر من 14 حالة اغتصاب لرضيعات دون سن السنتين.
- أغلب الضحايا فتيات تتراوح أعمارهن بين 11 و23 عامًا.
هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة التي تجري خلف الأبواب المغلقة، بعيدًا عن أعين العالم.
توثيق أممي وحقوقي
المنظمات الدولية أكدت أن ما يحدث ليس حالات فردية، بل نمطًا واسع النطاق:
- اليونيسف وثقت أكثر من 200 حالة اعتداء جنسي على أطفال منذ بداية 2024، بعضهم دون الخامسة، ومنهم رضع.
- مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تحدث عن انتهاكات جسيمة خلال هجوم الدعم السريع على مخيم زمزم للنازحين بالفاشر.
- هيومن رايتس ووتش وثقت أكثر من 250 اعتداءً جنسيًا في الخرطوم وحدها، وأكدت أن الغالبية العظمى ارتكبتها قوات الدعم السريع.
القتل بالقصف.. مأساة موازية
العنف الجنسي ليس الوجه الوحيد للكارثة. ففي مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، قُتل 10 مدنيين من أسرة واحدة – بينهم أطفال ونساء – وأصيب 9 آخرون، جراء قصف بطائرة مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع على حي الجلابية.
وفي حادثة أخرى، أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل 13 شخصًا، 9 منهم من أسرة واحدة، معظمهم أطفال، في قصف مماثل استهدف منزلًا سكنيًا، ما يعكس استهدافًا مباشرًا للمدنيين.
نداءات أممية بلا استجابة
قالت المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يوجين بيون، إن المفوضية تسمع “قصصًا مروعة” من ناجين وناجيات، مطالبة بتدخل دولي عاجل لحماية المدنيين.
من جانبها، أكدت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، أمينة محمد، أن “الصمت على فظائع السودان ليس خيارًا”، ووصفت الوضع بأنه “أكبر أزمة إنسانية في العالم”.
الأوبئة كسلاح غير مباشر
إلى جانب القتل والاغتصاب، يواجه السودانيون كارثة صحية متفاقمة. فقد أعلنت شبكة أطباء السودان تسجيل أكثر من 3 آلاف إصابة بالحصبة في ولايتي جنوب وغرب دارفور خلال ثلاثة أشهر فقط، محذّرة من تدهور خطير في الأوضاع الصحية.
وأرجعت الشبكة تفشي المرض إلى القيود التي تفرضها قوات الدعم السريع على وصول اللقاحات والأدوية، ما أدى إلى تعطيل حملات التطعيم وارتفاع الإصابات، خاصة بين الأطفال. كما حمّلت قيادة الدعم السريع المسؤولية الكاملة عن تعريض حياة المدنيين للخطر.
حرب بلا أفق
منذ أكثر من عامين، يعيش السودان حربًا دموية خلّفت عشرات الآلاف من القتلى، ونحو 13 مليون نازح، وبلدًا ممزقًا بين الجبهات. ومع غياب المحاسبة، وتزايد الانتهاكات، تتحول معاناة النساء والأطفال إلى عنوان دائم لهذه الحرب.
في عيون “مريم” و”أم كلثوم” حكايات لا تُروى، وأوجاع لا تُداوى بسهولة. حرب لا تكتفي بإزهاق الأرواح، بل تمتد لتغتال الكرامة، وتترك بلدًا كاملًا ينزف بصمت، في انتظار عدالة لا تزال بعيدة المنال.

