في سابقة إدارية ترتقي لمرتبة "الجريمة المكتملة الأركان" بحق الأمن الغذائي المصري، يواجه آلاف المزارعين في مناطق العلمين، وسيدي عبد الرحمن، والضبعة كارثة بيئية واقتصادية مفتعلة، تتمثل في قرار حكومي "غير معلن" بإغلاق ترعة الشيخ زايد منذ فبراير 2025.
هذا القرار المفاجئ، الذي يتحدى المنطق في وقت تعلن فيه الدولة عن تحقيق "طفرة مائية" مزعومة، أدى إلى تبوير ما يقرب من 57 ألف فدان من الأراضي المستصلحة والمنتجة، في خطوة يرى مراقبون أنها تمهيد "خبيث" لتسليم هذه الرقعة الزراعية النادرة لحيتان الاستثمار العقاري، لتحويلها من سلال غذاء للمصريين إلى منتجعات وفيلات للأثرياء العرب والأجانب.
المشهد على الأرض يبدو كئيباً؛ محاصيل جفت في عروقها، ومزارعون فقدوا مدخرات العمر، ومحطات مياه شرب في العلمين باتت مهددة بالتوقف، مما ينذر بعطش يضرب مرسى مطروح. كل هذا يحدث بينما تواصل حكومة "الانقلاب" الحديث عن مشاريع وهمية، متجاهلة صرخات الأهالي الذين يملكون عقوداً وتخصيصات رسمية منذ سنوات، ليجدوا أنفسهم اليوم ضحايا لمخطط "إحلال وتبديل" ديموغرافى واقتصادي، يستبدل القمح بالخرسانة، والفلاح بالمستثمر الأجنبي.
مخطط "التطفيش" الممنهج: تجفيف المنابع لصالح مافيا العقارات
ما يحدث في ترعة الشيخ زايد ليس مجرد سوء إدارة، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة لـ "تطفيش" المزارعين وإجبارهم على بيع أراضيهم بأسعار بخسة. الترعة، التي كلفت الميزانية مليارات الجنيهات وتمتد بطول 220 كيلومتراً من غرب النوبارية حتى قلب الصحراء الغربية، كانت شريان الحياة الوحيد لآلاف الأسر التي صدقت وعود الدولة باستصلاح الصحراء.
اليوم، وبجرة قلم، قررت السلطة قطع هذا الشريان، متحججة تارة بـ "تعديات" وتارة بـ "نقص المياه"، في حين تتدفق المياه بغزارة لملء البحيرات الصناعية وحمامات السباحة في القرى السياحية المجاورة. التقارير الميدانية والشكاوي التي تجاهلها الإعلام الرسمي تؤكد أن الهدف الحقيقي هو إفراغ المنطقة من سكانها الأصليين ومزارعيها، لتحويل الظهير الصحراوي للساحل الشمالي بأكمله إلى "كانتونات" سياحية مغلقة، تخدم مشروع "رأس الحكمة" وما تلاه من صفقات بيع أصول الدولة، حيث لا مكان للزراعة أو للفلاحين في خريطة "مصر الجديدة" التي يرسمها النظام.
خرق القانون والدستور: قرارات رئاسية "حبر على ورق"
المفارقة الصارخة تكمن في أن قرار قطع المياه ينسف قرارات رئاسية سابقة، وتحديداً القرار رقم 341 لسنة 2014، الذي خصص هذه الأراضي رسمياً لولاية هيئة التعمير والتنمية الزراعية بغرض الاستصلاح. حكومة النظام اليوم تدوس على قراراتها بنفسها، في مشهد عبثي يؤكد غياب دولة القانون.
الأهالي يصرخون بأن لديهم مقننات مائية مثبتة، وأنهم أنفقوا الملايين على شبكات الري الحديث، لكن "التعليمات السيادية" جاءت بوقف الضخ. هذا الانقلاب على الوعود القانونية يكشف أن العقود في مصر لم تعد تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به، وأن الملكية الخاصة والنشاط الإنتاجي مستباحان تماماً أمام أطماع الجنرالات والمستثمرين المقربين منهم، الذين يرون في كل فدان زراعي "موقعاً متميزاً" لبرج جديد أو شاليه فاخر.
الأمن الغذائي في مهب الريح: تدمير المحصول من أجل "اللقطة"
في الوقت الذي يستورد فيه النظام القمح والدولار بشروط مجحفة، يقوم بيده بتدمير رقعة زراعية منتجة كانت تساهم في سد الفجوة الغذائية. أراضي الضبعة والعلمين كانت تشتهر بزراعات حيوية (تين، زيتون، شعير) تتحمل ملوحة التربة وتوفر غذاءً وفرص عمل.
إغلاق الترعة يعني ببساطة إعدام هذه الثروة، وتحويل المنطقة إلى صحراء جرداء تمهيداً لصب الخرسانة فوقها. هذه السياسة "التخريبية" تؤكد أن أولويات النظام لا علاقة لها بأمن المواطن الغذائي، بل تنحصر في "اللقطة" العقارية والبحث عن العملة الصعبة عبر بيع الأراضي للمستثمر الخليجي، حتى لو كان الثمن هو تجويع الشعب وتبوير أرضه. إنها ليست مجرد أزمة ري، بل هي سياسة "أرض محروقة" تمارس ضد الزراعة المصرية لصالح اقتصاد ريعي هش لا ينتج سوى الديون والمنتجعات.

