هل يمكن أن نرى تدخلاً مصري في السودان تجاه قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات، على غرار التدخل العسكري السعودي في اليمن ضد قوات المجلس الانتقالي الانفصالية في الجنوب، والمدعومة أيضًا من أبوظبي، بعدما رأت المملكة أن امتداد الصراع على الحدود يشكل خطرًا على أمن المملكة؟
هذا السؤال قفز إلى أذهان كثير من المصريين المتابعين للتطورات الأخيرة في اليمن التي دفعت الإمارات في النهاية إلى الرضوخ للتهديدات السعودية بإعلان سحب آخر ما تبقى من قواتها هناك، في الوقت الذي استطاعت فيه القوات المدعومة من المملكة "درع الوطن" استعادة المناطق التي سيطر عليها الانفصاليون مؤخرًا.
اليمن والسودان: الداعم للانفصاليين واحد
ويتشابه الوضع في اليمن والسودان في أن كليهما يشهد صراعًا مستمرًا منذ سنوات يهدد وحدة أراضي البلدين تلعب فيه الإمارات دورًا فاعلاً من خلال دعم الانفصاليين في جنوبي اليمن، وقوات الدعم السريع التي سيطرت خلال الأسابيع الأخيرة على كردفان في إقليم دارفور، مما أثار مخاوف جدية من تقسيم السودان، وهو الأمر الذي يشكل في جوهره تهديدًا بالغًا على الأمن القومي المصري، في ظل النظر إلى السودان على أنه يمثل عمقًا استراتيجيًا لمصر التي تخوض منذ سنوات صراعًا دبلوماسيًا مع إثيوبيا حول سد النهضة الذي يخشى من تداعياته على حصتي دولتي المصب من مياه النيل.
لكن الإشكالية في الاعتماد المتزايد من جانب نظام السيسي على حلفائه الداعمين في الإمارات، التي تعد الداعم الأكبر له، وعملت على إنقاذ حكمه من الأزمة المالية العاصفة التي كادت تهدد بقاءه في السلطة، وذلك مع انهيار الجنيه أمام الدولار، وانخفاض الاحتياطي الأجنبي إلى أدنى مستوياته، مع ارتفاع التضخم إلى مستويات لا مثيل لها، وذلك في عام 2024، وجاء الإنقاذ العاجل في صورة اتفاق وقعه صندوق الثروة السيادية الإماراتي، القابضة إيه.دي.كيو، بقيمة 35 مليار دولار لتطوير منطقة رأس الحكمة في الساحل الشمالي.
النظام المصري والنفوذ الإماراتي في السودان
ويقول محللون إن ما حدث في اليمن أخيرًا يضع النظام في مصر في حرج بالغ، في ظل عجزه عن اتخاذ موقف قوي تجاه التدخل الإماراتي في السودان.
إذ يقول الكاتب جمال سلطان إن "تطورات الأزمة اليمنية فاجأت صانع القرار في مصر، بصورة سببت له إرباكًا واضطرابًا وعجزًا عن اتخاذ موقف، أي موقف، تجاه الأحداث، سوى موقف المتفرج الذي يناشد كل الأطراف الهدوء وضبط النفس، بينما الأمور تمضي بعيدًا في رسم خريطة جديدة في البلد المهم جدا للأمن القومي المصري، كما هو مهم للأمن القومي السعودي".
ويرى في تحليل نشره عبر حسابه في موقع "فيسبوك" أن "هذا التحرك السعودي الجريء، والقوي، والصارم، تسبب في إزعاج كبير لمنظومة الحكم في مصر، والتي تقف موقف العاجز، أو المشارك على خجل في ما يجري في السودان، وهو صورة طبق الأصل مما يحدث في اليمن، والراعي واحد للمشروعين، وهو الإمارات".
ويشير سلطان في هذا السياق إلى قدرة مصر على التدخل، لما تملكه من قدرات عسكرية تتيح لها فرض قرارها وخططها على الأرض، "بل إن الجيش المصري من حيث العدد والعتاد أكبر من الجيش السعودي، ومع ذلك وقفت مصر طويلاً هذا الموقف المتردد والمخزي من أحداث جسام تقع في خاصرتها الجنوبية، وتهدد أمنها القومي في صميمه".
ارتهان مصر للقرار الإماراتي
ويفسر عدم التدخل المصري في السودان لمنع المشروع الانفصالي، وحماية وحدة البلاد، ودعم حلفائها هناك بـ "ارتهانها للقرار الإماراتي، وعدم قدرتها على تحدي الإمارات، بسبب الدعم المالي الذي تتلقاه بصفة مستمرة من أبو ظبي، والذي يمثل الرئة المالية التي يتنفس بها النظام الحاكم كلما اقتربت الأمور من الاختناق، وهذا يعني في الحساب الإجمالي، والاستراتيجي، أن الإمارات "الصغيرة" أصبحت تسيطر على القرار السياسي والعسكري في دولة كبيرة بحجم مصر، وأن السلطة الحاكمة في مصر أصبحت تراعي مصالح الإمارات على حساب الأمن القومي للدولة المصرية".
ويمضي سلطان في تفسيره، ليقول إن "الاستثمارات (الإماراتية في مصر) كانت شراء للقرار المصري، وسيطرة على الاختيارات المصرية الاستراتيجية، كانت تلك الأموال لشل يد مصر عن دورها في السودان، ومنعها من العمل على وقف تمزيق البلد بما يهدد أمن مصر القومي، فكانت المأساة أن تكون مصر متفرجة على الطائرات الإماراتية وهي تحمل السلاح والذخائر وحتى المرتزقة إلى السودان، ويتدفق المدد على ميليشياتها، أحيانًا باستخدام المجال الجوي المصري، دون أن تجرؤ مصر على أن توقف ذلك، وهي تستطيعه ـ إن أرادت ـ بما تملكه من قوة عسكرية كبيرة".
وخلص في الرأي إلى القول: "مع الأسف، لقد تم بيع القرار المصري، ورهنه للإمارات، هذه هي الحقيقة التي لم يعد بالإمكان إخفاؤها، أو التهوين من أمرها، وجاءت المبادرة العسكرية السعودية في جنوب اليمن لتقول كل شيء، وتفضح كل شيء".

