في زمن الانقلاب، حيث تتحول المشروعات القومية إلى مجرد "ديكور" وواجهات دعائية تفتقر للجوهر، لم تنجُ مدارس المتفوقين في العلوم والتكنولوجيا (STEM) من مقصلة الإهمال وسوء الإدارة. هذا المشروع الذي كان يُفترض به أن يكون قاطرة مصر نحو المستقبل، ومحضنًا للعباقرة القادرين على وضع البلاد على خريطة الدول المتقدمة، تحول في ظل سياسات "عصابة العسكر" إلى أداة لمعاقبة النوابغ، ووأد أحلامهم عبر منظومة بيروقراطية عقيمة تديرها وزارتا التربية والتعليم والتعليم العالي.
الفجوة تتسع يومًا بعد يوم بين "فلسفة" هذه المدارس القائمة على الابتكار، وبين "واقع" المعاملة الحكومية الذي يرسخ التخلف الإداري. فبدلاً من احتضان هؤلاء الطلاب، يجدون أنفسهم محاصرين في دوامة من التناقضات؛ نظام تعليمي متطور في أدواته، يصطدم بنظام قبول جامعي "أعمى" يتعامل معهم بمنطق الحفظ والتلقين، مما حول التفوق من ميزة تنافسية إلى "عبء نفسي" يدفع الطلاب وذويهم للندم على خوض التجربة.
سجون "الاغتراب" الداخلي: ضغوط نفسية وإهمال في سن المراهقة
المأساة تبدأ مبكرًا داخل أسوار السكن الداخلي، الذي تحول من بيئة داعمة للتعلم إلى مصدر للمعاناة اليومية. وبحسب شهادات أولياء الأمور، فإن توزيع مدارس STEM الجغرافي يفرض على الطلاب "الاغتراب" عن أسرهم في سن حرجة، ليعيشوا تحت ضغط مزدوج: ضغط الدراسة المكثفة والمشروعات البحثية المعقدة، وضغط الوحدة والبعد عن الدعم الأسري.
تؤكد إحدى الأمهات أن ابنها يعيش "معاناة يومية" نتيجة الالتزام الصارم بنظام لا يراعي الاحتياجات النفسية للمراهقين. وفي ظل غياب الأخصائيين النفسيين المؤهلين ونقص الكوادر التربوية المدربة –كما كشف الدكتور تامر شوقي أستاذ علم النفس التربوي– يتحول الطالب إلى "آلة" مطالبة بالإنتاج البحثي المستمر دون أي متنفس، مما يؤدي لحالات من الإرهاق العصبي الشديد. حكومة الانقلاب، التي تنفق المليارات على الخرسانة والكباري، تبخل بتوفير دعم نفسي ومعيشي حقيقي لنخبة عقول مصر، تاركة إياهم فريسة للاكتئاب والضغوط.
مقصلة التنسيق: "النسبة المرنة" وفخ المساواة الظالمة
الكارثة الحقيقية تكمن في مرحلة "جني الثمار"، أي التنسيق الجامعي. هنا تتجلى عشوائية التخطيط الحكومي بأوضح صورها. يشكو الأهالي والخبراء من أن نظام القبول الجامعي يتعامل مع خريج STEM بنفس المسطرة التي يتعامل بها مع التعليم التقليدي، متجاهلاً طبيعة الجهد البحثي والمهاري الذي بُني عليه هذا المسار.
الدكتور تامر شوقي والباحث الدكتور طارق مقلد أشارا إلى خطورة نظام "النسبة المرنة" وكيفية تطبيقه؛ فرغم أنه يبدو ظاهريًا كميزة، إلا أنه قد يتحول إلى فخ يقلص فرص المتفوقين بسبب ربط المقاعد بأعداد طلاب الثانوية العامة. الأخطر هو تأخر تنسيق هؤلاء الطلاب ووضعهم في ذيل القائمة الزمنية، ما يخلق حالة من "الترقب والضغط النفسي" تحرق أعصاب الطلاب وذويهم. إن اختزال جهد سنوات من البحث والابتكار في "رقم واحد" ومقارنته بطلاب الحفظ التقليدي هو "ظلم مقنع"، يكشف عن عجز وزارتي التعليم والتعليم العالي عن ابتكار مسار جامعي موازٍ يستوعب هذه العقول.
حرب على "معامل التفوق": سياسات التطفيش الممنهج
لم تكتفِ الحكومة بوضع العراقيل الإدارية، بل امتدت يد العبث لتهدد "معامل التفوق" ونظام الشرائح، مما يوسع الفجوات بين الدرجات ويحرم المجتهدين من كليات القمة التي يستحقونها. تحذيرات أولياء الأمور والخبراء تتوالى من أن المساس بهذه الحوافز هو "إجحاف" بحق طلاب بذلوا جهدًا استثنائيًا.
الدكتور طارق مقلد وصف الوضع الحالي بأنه تساؤل حول ما إذا كان التفوق يُقابل بـ "العقاب بدلاً من المكافأة". فغياب مسارات جامعية واضحة، والتهديد المستمر بتقليص المميزات، وحالة "اللايقين" التي يعيشها الطلاب، كلها مؤشرات على أن الدولة لا تمتلك رؤية للاستفادة من هؤلاء الشباب في سوق العمل، بل تدفعهم دفعًا إما لترك هذا المسار أو التفكير في الهجرة لاحقًا.
في الختام، ما يحدث في ملف مدارس STEM واخيرا ما هوالا انعكاس دقيق لحالة الدولة في زمن الانقلاب: واجهة براقة تخفي خلفها دمارًا مؤسسيًا. إن تحويل "أوائل الجمهورية" والنوابغ إلى "أوائل على الهامش" وتجاهل صرخاتهم وصرخات ذويهم، ليس مجرد فشل إداري، بل جريمة في حق مستقبل الوطن. حكومة الانقلاب تثبت يومًا بعد يوم أنها تعادي الوعي وتحارب الكفاءة، فمنظومة لا تستطيع استيعاب بضعة آلاف من المبدعين وتوفير بيئة عادلة لهم، هي منظومة محكوم عليها بالفشل، تأخذ مصر معها نحو مزيد من التراجع وتجريف العقول.

