يحلل بول إيدون في هذا المقال تداعيات العملية العسكرية الأميركية التي أطاحت بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ويرى أن آثارها تتجاوز أميركا اللاتينية لتصل مباشرة إلى إيران والشرق الأوسط، حيث شكّل نظام مادورو أحد أهم حلفاء طهران السياسيين والاقتصاديين على مدى عقود.

 

ينشر العربي الجديد هذا التحليل في إطار متابعة التحولات الدولية المرتبطة بسياسات إدارة دونالد ترامب، وما تعكسه من عودة منطق تغيير الأنظمة، وتأثير ذلك على توازنات القوى الإقليمية، خصوصًا في الشرق الأوسط.

 

ضربة قاسية لحليف استراتيجي

 

أحدثت العملية الأميركية التي أدت إلى اعتقال مادورو صدمة واسعة، بعدما وصفت طهران الهجوم بأنه اعتداء صارخ على سيادة فنزويلا ووحدة أراضيها. خلال حكم مادورو، وقبله هوجو تشافيز، مثّلت كراكاس أحد أقرب حلفاء إيران عالميًا، وليس فقط في أميركا اللاتينية، ووفّرت لطهران، ولحليفها حزب الله، موطئ قدم سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا في القارة.

 

يشير الباحث الإيراني أرش عزيزي إلى أن المرشد الإيراني علي خامنئي عبّر بوضوح عن عمق هذه العلاقة حين استقبل مادورو في طهران عام 2022، وتعهد بدعم فنزويلا في حال تعرضها للخطر. يرى عزيزي أن سقوط مادورو يشكّل ضربة كبيرة لتحالف استمر لعقود، ويضعف شبكة النفوذ الإيرانية خارج الشرق الأوسط.

 

يتفق محللون آخرون على أن حجم الخسارة الإيرانية سيتحدد وفق هوية السلطة الجديدة في كاراكاس. فإذا وصل إلى الحكم نظام متشدد، قد تسعى طهران إلى إعادة بناء شراكة دفاعية بديلة. أما إذا تولت المعارضة أو حكومة أكثر اعتدالًا، فقد تواجه إيران تراجعًا حادًا في نفوذها المحدود أصلًا في الأميركتين.

 

خسائر اقتصادية وأمنية محتملة

 

لا تقتصر الخسائر الإيرانية على البعد السياسي، بل تمتد إلى المصالح الاقتصادية. لعب الحرس الثوري الإيراني دورًا محوريًا في المشاريع المشتركة مع فنزويلا، خصوصًا في مجالات الطاقة، والنقل، والبنية التحتية. يتوقع أكاديميون أن يتحمل الحرس الثوري العبء الأكبر لأي خسائر مالية، مع احتمال انعكاس ذلك بشكل غير مباشر على الاقتصاد الإيراني الأوسع.

 

تأتي هذه التطورات في توقيت حساس بالنسبة لطهران، التي تواجه أزمة اقتصادية خانقة واحتجاجات واسعة في الداخل. يرى بعض الخبراء أن أي تراجع في العائدات الخارجية، مهما كان محدودًا، يزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي والسياسي داخل إيران.

 

في ملف النفط، تبقى التأثيرات غير محسومة. استمرار ضخ النفط الفنزويلي قد يحدّ من اضطراب الأسواق العالمية، لكن أي تغيّر في علاقات كاراكاس مع الصين قد يفتح فرصًا جديدة لطهران لزيادة صادراتها إلى بكين.

 

أما حزب الله، الذي استفاد بدوره من العلاقة الوثيقة مع فنزويلا، فيرجّح أن يواصل العمل عبر شبكات غير رسمية في دول أخرى مثل البرازيل وباراجواي، لكنه يخسر أهم داعم سياسي له في المنطقة. يتوقع محللون أن تحاول طهران والحزب تعميق علاقاتهما مع كوبا أو مع الحكومة اليسارية في كولومبيا، رغم صعوبة ذلك وكلفته السياسية.

 

تأثير محتمل على الداخل الإيراني

 

يثير إسقاط مادورو تساؤلات حول انعكاساته على الداخل الإيراني. يرى بعض المراقبين أن تحرك ترامب العسكري قد يمنح دفعة معنوية لقوى المعارضة في إيران، خاصة في ظل تصريحات ترامب التي لوّح فيها بالتدخل إذا قمعت السلطات الاحتجاجات بعنف.

 

لكن محللين آخرين يشيرون إلى أن جزءًا كبيرًا من الإيرانيين يتعامل بقدر من الشك مع هذه السيناريوهات، مستحضرين تجارب سابقة لم تتدخل فيها واشنطن رغم احتجاجات واسعة، كما حدث في سوريا. يحدّ هذا التشكيك من الرهان على تدخل خارجي مباشر لإحداث تغيير في طهران.

 

في المقابل، يرى باحثون أن النظام الإيراني استشعر الخطر، ورفع مستوى الاستعداد، مستفيدًا من طبيعته المؤسسية المعقدة التي لا تعتمد على شخص واحد. يلفت خبراء إلى أن طهران وضعت خلال السنوات الأخيرة ترتيبات تضمن انتقال السلطة بسلاسة، حتى في حال استهداف القيادة العليا، كما أظهرت قدرتها على تعويض خسائر في صفوف قياداتها العسكرية بسرعة.

 

عودة تغيير الأنظمة؟

 

يخلص المقال إلى أن ما جرى في فنزويلا يشير إلى استعداد إدارة ترامب لإعادة تبني سياسة تغيير الأنظمة، ولكن بصيغة مختلفة عن النموذج الأميركي التقليدي. لا يبدو أن واشنطن معنية بعمليات بناء الدولة أو الاستقرار طويل الأمد، بقدر اهتمامها بعمليات خاطفة تطيح بالأنظمة التي تراها معادية.

 

يرى محللون أن هذا النهج يشبه دبلوماسية الزوارق الحربية في القرن التاسع عشر أكثر مما يشبه تدخلات القرن الحادي والعشرين. تؤكد وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2025 هذا التوجه، إذ تعلن صراحة سعي واشنطن لفرض «مبدأ ترامب» بوصفه امتدادًا لمبدأ مونرو في نصف الكرة الغربي.

 

وفق هذا المنطق، تظل فنزويلا ساحة نفوذ أميركية مباشرة، تختلف في حساباتها عن إيران. ورغم تشابه الخطاب العدائي، قد تختلف السياسات الفعلية جذريًا. غير أن عدم قابلية ترامب للتنبؤ تبقي كل السيناريوهات مفتوحة، وتضيف عنصرًا دائمًا من القلق إلى حسابات طهران وحلفائها في الشرق الأوسط.

 

https://www.newarab.com/analysis/what-trumps-attack-venezuela-could-mean-middle-east