تصريحات النائبة نيفين إسكندر في برنامج "الحكاية" مع عمرو أديب لم تكن مجرد زلة لسان، بل كانت اعترافًا فاضحًا بروح المرحلة: "الصراحة راحة.. السجن لمن يعارض الرئيس". عبارة "السياسة في العالم لا تحكم لا تتحبس" تحولت إلى شعار غير معلن لنظام يُجرّم المعارضة الحقيقية، ويصنع بديلًا لها من "معارضة مستأنسة" تتقاضى امتيازات وتُجيد نفاق السلطة أكثر من مساءلتها.

 

في هذا السياق، تصبح نيفين إسكندر نموذجًا مكثفًا لسياسيين يزعمون تمثيل الشباب والمعارضة، بينما يصعدون عبر قوائم موالية للنظام، ويهاجمون خصومه أكثر مما يهاجمون سياساته.

 

أولًا: تصريح يفضح منطق النظام لا "زلة نائبة"

 

في حلقتها مع عمرو أديب، قالت النائبة نيفين إسكندر إن السياسة في العالم تنحصر في خيارين: "يا تحكم يا تتحبس"، وهو ما ردده أكثر من ناشط وصحفي باعتباره تلخيصًا لحالة الحياة السياسية في مصر. هذا التصور لا يتحدث عن "العالم" بقدر ما يعكس ما يجري في بلد تُقابل فيه المعارضة الحقيقية بالاعتقال، وتُغلق فيه الأحزاب الجادة، وتُصادر فيه الصحافة المستقلة.

 

محمد عبد الله علّق ساخرًا بأن "المعارضة المستأسة تضطر لنفاق الرئيس لتحصل على منافع فتتوقف عن الانتقاد وتمسك الطبلة"، واضعًا نيفين في خانة هذه المعارضة التي انتقلت من موقع النقد إلى موقع التبرير والدفاع عن النظام مقابل المكاسب.
 

 

 

هذا التصريح لم يثر الغضب لأنه صادم فقط، بل لأنه صادق في توصيف مرحلة بات فيها الحبس هو المصير الطبيعي لكل من يخرج عن السطر، من سياسيين وصحفيين وناشطين، بينما يُفتح الشاشات والبرلمان لـ"معارضين بالتنسيق" يعرفون الخطوط الحمراء جيدًا ولا يقتربون منها.

 

ثانيًا: "معارضة" في الكلام.. ولاء في الموقع والسلوك

 

إشكالية نيفين إسكندر لا تقف عند تصريحها، بل تمتد إلى التناقض الصارخ بين ما تدّعيه وما تمثّله. فهي تُقدّم نفسها على الهواء باعتبارها "صوت 22 مليون شاب من جيل زد"، وتزعم أنها "معارضة من داخل النظام"، وتنتقد شكليًا بعض الأوضاع لتبدو قريبة من لغة الشارع الغاضب.

 

لكن واقعها السياسي يقول عكس ذلك؛ فهي مرشحة عن القائمة الوطنية من أجل مصر، وهي قائمة موالية بالكامل للنظام، صُممت لضمان برلمان بلا معارضة حقيقية، وإنما بمقاعد محسوبة بدقة لأصوات "ديكورية" تستخدم لغة نقدية منضبطة، دون أن تمس جوهر السلطة أو بنيتها القمعية. هذا ما دفع محللين ونشطاء للتساؤل: هل هي فعلًا "صوت معارض"، أم مجرد واجهة شبابية لبرلمان مُسيطر عليه أمنيًا وسياسيًا؟

 

سياقها الشخصي يزيد الصورة وضوحًا؛ فبحسب ما يتم تداوله، كانت في السابق ضمن حزب "المحافظين" قبل أن تُفصل على خلفية صراعات داخلية تتعلق بفضحها مواقف أحمد طنطاوي، ثم التحقت بتنسيقية شباب الأحزاب، وهي منصة تُستخدم لإعادة تدوير صورة النظام ومنح غطاء سياسي "شبابي" لسياساته. هذا المسار يُظهر انتقالها من معارضة حزبية محدودة إلى موقع أقرب لـ"التوظيف السياسي" داخل منظومة السلطة.
 

 

ثالثًا: سخرية الشارع تكشف سقوط "نموذج النائبة – المعلِّمة"

 

رد فعل الشارع على نيفين إسكندر جاء قاسيًا وساخرًا في آن واحد. طارق جان وصفها بأنها نائبة يبدو مستواها التعليمي والثقافي محدودًا، قائلًا إنها "أول ما فتحت بوقها قالت السياسة في العالم يا تبقى مع السلطة يا تبقى في السجن"، في إشارة إلى تبسيط فج وخطير لمعنى السياسة وتحويلها إلى ثنائية بوليسية: ولاء أو قمع.

 

 

مستخدمون آخرون قارنوا بينها وبين نموذج مصطفى بكري، باعتبارها "معارضة تنتقد المعارضة"، أي أنها تتبنى دورًا هجوميًا على القوى الرافضة للنظام أكثر مما تهاجم سياسات النظام نفسه، وهو ما رصده أحمد مليجي بسخرية حين قال إننا أمام "أجيال جديدة من مصطفى بكري.. هي معارضة وبتنقد المعارضة". جورج علّق متسائلًا: "هي مين نيفين إسكندر ده كمان؟ ولا فاهمة حاجة ومش مديّة مجدي الجلاد فرصة يتكلم وفاكرة نفسها معارضة"، في انتقاد لطريقة حضورها واحتكارها الكلام مع ضعف مضمونها.
 

 

 

أكثر من ذلك، أُثيرت مسألة شرعية تمثيلها نفسها أصلًا؛ فطاهر وصفها بأنها "صوت المعارضة اللي دخل البرلمان بتزوير الانتخابات.. أسيوط في البطاقة والمنوفية في الكوتة"، في تعبير عن شعور واسع بأن البرلمان الحالي وليد هندسة أمنية وقانونية للعملية الانتخابية، وليس تعبيرًا حرًا عن الإرادة الشعبية.

 

 

في المحصلة، تتحول نيفين إسكندر إلى مرآة لنموذج كامل من "السياسة الرسمية" في مصر: نائب يُقدَّم بوصفه معارضًا، يكرر خطاب السلطة عن الخطر والسجن، يتحدث باسم الشباب بينما صعوده جرى عبر قوائم مُغلقة وتنسيقيات موالية، ويُستخدم لتجميل مشهد سياسي مُغلق تحت شعار "التعددية" و"النقاش"، بينما الحقيقة البسيطة التي لخّصها الشارع:

 

الصراحة راحة.. والسجن لمن يعارض الرئيس بالفعل، لا لمن يدّعي المعارضة أمام الكاميرات.