أدانت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان مصر في القضية المعروفة إعلاميًا بـ"كشف العذرية"، التي تعرّضت لها فتاتان من المشاركات في ثورة يناير 2011، أثناء احتجازهما في السجن الحربي في أعقاب فض اعتصام بميدان التحرير في مارس 2011.
وانتهت اللجنة إلى إدانة الحكومة المصرية بانتهاك ثمانية من مواد الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، والذي صدقت عليه مصر في عام 1984 وأصبح بذلك جزءًا من التشريع المصري بموجب الدستور.
وألزم الحكم بوقف هذه الجريمة ومقاضاة المسؤولين عنها ودفع تعويض قدره مائة ألف جنيه لكل من الضحيتين.
أحد أشكال التعذيب
واعتبر الحكم أن ما تعرضت له الضحيتان أثناء الاحتجاز من ضرب وصعق كهربائي وإهانات لفظية ذات طابع جنسي، وتجريد قسري من الملابس، ثم إخضاعهما لفحوصات مهبلية قسرية فيما يسمى بـ"كشوف العذرية"، يمثل أحد أشكال التعذيب، وينتهك صراحة المادة 5 من الميثاق، التي تحظر التعذيب وسائر ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
وأكد الحكم أن القبض على الضحيتين واحتجازهما جاء في سياق ممارستهما السلمية لحقهما في التعبير والتجمع السلمي، وأنهما تعرضتا بذلك لانتهاك لحقهما في حرية الرأي والتعبير وحرية التجمع السلمي، بالمخالفة للمادتين 9(2) و11 من الميثاق.
واعتبر أن الفحوص المهبلية القسرية (كشوف العذرية) تعد شكلاً من أشكال العنف الجنسي القائم على النوع الاجتماعي، وتمييزًا ضد النساء، وانتهاكًا للسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية، وخلص إلى "عدم وجود أي تبرير مشروع لإجراء اختبار العذرية".
وقال إن "هذا الاختبار غير قانوني، ويُعد تعذيبًا، وينطوي على معاملة قاسية ولاإنسانية ومهينة".
وأشار إلى أن السلطات المصرية فشلت في إجراء تحقيقات فعالة ومستقلة ونزيهة في الانتهاكات التي تعرضت لها الضحيتان، وملاحقة المسؤولين عنها.
وجاء في نص الحكم أنه "يكفي القول إن الدولة الطرف قد أخفقت في إجراء تحقيق فعّال في الادعاءات المتعلقة بأعمال المعاملة اللاإنسانية والمهينة، ولم تُبذل أي محاولات جادة لمساءلة المسؤولين عنها".
انتهاك للحق في المساواة أمام القانون
وأكد الحكم أن إخضاع مدنيين لاختصاص القضاء العسكري في قضايا تتعلق بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وحرمان الضحيتين من الوصول إلى قاضٍ مستقل ومحايد، ومن ضمانات المحاكمة العادلة، يُعد انتهاكًا لحقهما في المساواة أمام القانون والحماية المتساوية له، ولواجب الدولة في ضمان استقلال القضاء، بالمخالفة للمواد 3 و26 من الميثاق الأفريقي.
قرارات اللجنة
وبناء على ذلك، وبعد أن قضت بثبوت انتهاكات الحكومة المصرية للمواد الثمانية من الميثاق، أصدرت الهيئة مجموعة من تدابير جبر الضرر وضمان عدم التكرار وهي:
- الامتناع عن ممارسة كشوف العذرية والقضاء عليها نهائيًا.
- ملاحقة مرتكبي الانتهاكات الجنسية التي تعرّضت لها الضحيتان أمام محاكم مختصة.
- تعديل لوائح السجون الحربية بما يضمن وضع ضمانات صارمة لاحترام السلامة الجسدية وحقوق الخصوصية للمحتجزين ، على أن تكون للنيابة العامة المدنية والمحاكم المدنية الولاية الحصرية للتحقيق والفصل في ادعاءات الانتهاكات التي يرتكبها أفراد القوات المسلحة بحق المدنيين.
- تعويض كل من الضحيتين عن الأضرار التي لحقت بهما نتيجة انتهاك حقوقهما بمبلغ مائة ألف جنيه مصري لكل ضحية، وذلك عن الأضرار الجسدية والنفسية التي تعرضتا لها.
- تقديم تقرير عن الخطوات التي اتخذتها لتنفيذ هذا القرار خلال 180 يومًا.
وقالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إنها ترحب بالقرار الذي يتصدى للإفلات من العقاب في جرائم التعذيب والعنف الجنسي، ويشكل سابقة مهمة في مسار مساءلة الدولة المصرية أفريقيًا عن انتهاكات حقوق الإنسان.
وحيت المبادرة شجاعة الشاكيتين التي كانت المحرك الأساسي خلف هذا القرار، على الرغم من استمرار التقاضي لما يقرب من 12 عامًا.
ودعت السلطات المصرية إلى التنفيذ الفوري والكامل لتوصيات الحكم، بما يضمن المحاسبة وجبر الضرر وحماية حقوق النساء والمسجونات والمسجونين، واحترام الحق في الاحتجاج السلمي، ووضع حد نهائي للممارسات التي تنتهك الكرامة الإنسانية تحت أي مسمى.
تفاصيل الدعوى
ورُفعَت هذه الدعوى في سبتمبر 2012 نيابة عن سميرة إبراهيم ورشا عبدالرحمن، وهما اثنتان من بين سبعة عشر من النساء اللاتي تم احتجازهن على خلفية مشاركتهن في اعتصام فضته القوات المسلحة بالقوة في التاسع من مارس 2011.
وقد تم إيداع المحتجزات بأحد السجون الحربية حيث أُخضعن على يد طبيب عسكري لكشف بغرض فحص عذريتهن.
وقررت اللجنة الأفريقية لحقوق الانسان والشعوب في ديسمبر 2023 قبول الدفع الشكلي في الدعوى المقامة من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بالتعاون مع المركز الدولي للحماية القانونية لحقوق الإنسان (إنترايتس)، والتي طالبا فيها بإعادة التحقيق والمحاكمة في واقعة "كشف العذرية".
وأشارت اللجنة الأفريقية في قرارها إلى أن سميرة إبراهيم قد استنفدت طرق التقاضي الداخلية بعد قيام المحكمة العسكرية بتبرئة الطبيب المتهم، وبعد عدم قيام النيابة العسكرية باستئناف الحكم لدى المحكمة العليا للطعون العسكرية.
كما أقرت بأن عدم قيام النيابة العامة بالتحقيق في البلاغ المقدم من رشا عبدالرحمن بتاريخ 4 يوليو 2011 في نفس الواقعة يعد تأخرا غير مبرر، كما يعد مخالفًا للالتزام القانوني الواقع على الدولة بإجراء تحقيق عاجل ومستقل وفعال لتحديد المسئولين عن الانتهاكات.
وكان ثلاثة من أعضاء المجلس العسكري - القائم حينذاك – قد أقروا بأن هذه الفحوص تُجرَى بشكل روتيني على المحتجزات لحماية القوات المسلحة من مزاعم اغتصاب محتملة.
وفي 11 مارس 2012، قامت المحكمة العسكرية التي اضطلعت بالقضية بتبرئة الجندي الطبيب المتهم بإجراء فحوص العذرية ونفت في حكمها حدوث تلك الفحوص من الأصل، متجاهلة في الوقت ذاته صدور حكم واضح من محكمة القضاء الإداري قضى بـ"وقف إجراء فحوص العذرية على الإناث اللاتي يتم احتجازهن أو القبض عليهن أو اعتقالهن بمعرفة القوات المسلحة".
انتهاك الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب
وطالبت المبادرة المصرية وإنترايتس اللجنة الأفريقية بأن تحكم بانتهاك الحكومة المصرية للميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الذي صدقت عليه مصر في عام 1984، بالإضافة إلى الحكم بمسئولية الدولة عن ملاحقة كل من اشتبه في تورطه في فحوص العذرية -أو أي من الانتهاكات الأخرى التي واجهتها الإناث المحتجزات- أمام القضاء المدني، مما يستلزم إجراء تعديل على قانون القضاء العسكري الذي يجبر المدنيين على قبول سلطة المحاكم العسكرية في الحالات التي يتواجد فيها طرف عسكري في القضية، حتى وإن كان هذا الطرف متهماً بانتهاكات جسيمة كما هو الحال في قضية كشوف العذرية.
كما طالبت المنظمتان، بالنيابة عن سميرة ورشا، باعتراف واضح من الحكومة المصرية بأن فحوصاً للعذرية قد وقعت بالفعل علي الضحايا، وإصدار تعهد بعدم تكرار هذا الإجراء في المستقبل. وتطالب الدعوى بتعديل لوائح السجون العسكرية لتشمل ضمانات صريحة بعدم انتهاك خصوصية المحتجزين من الجنسين، وضمان سلامتهم الجسدية من أي اعتداء.
وتطرقت الدعوى أيضًا إلى عدم استقلالية المحاكم العسكرية بشكل عام، وعدم توافر ضمانات المحاكمة العادلة فيها، مما يجعلها غير مؤهلة لمحاكمة المدنيين، فضلا عن محاكمة العسكريين المتهمين في قضايا يكون خصومهم فيها من المدنيين. ويُشار إلى أن دستور 2012 فشل في النص على عدم جواز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية بشكل مطلق، وهو ما لم يتحقق في مسودة التعديلات الدستورية التي أقرتها لجنة الخمسين.
https://achpr.au.int/en/decisions-communications/communication-42412

