بين صورٍ تفيض بالغضب وتعليقاتٍ تحمّل الحكومة مسؤولية "طمس الهوية"، تصدّر سور مجرى العيون التاريخي في القاهرة مشهد مواقع التواصل الاجتماعي بعد تداول صور لأعمال وصفها خبراء بأنها عدوان هندسي على واحد من أعظم آثار القاهرة الإسلامية.
ورغم سرعة وزارة السياحة والآثار إلى إصدار بيان ناعم يُبرّر ما يجرى ويصفه بأنه “تنظيف علمي باستخدام رمال البحر”، إلا أن المشاهد التي وثّقها المواطنون تكشف عن واقعٍ مختلف: جدران متهشمة، أحجار مشققة، وألوان تغيّرت بفعل محاولات "التجميل" الخاطئة.
في خلفية هذه الواقعة، يلوح نمط متكرر من إساءة التعامل مع التراث المصري: حفريات تُقتلع من جذورها، مبانٍ أثرية تُحوّل إلى مسطحات خرسانية، ومشروعات تنموية تُنفذ على حساب الذاكرة التاريخية.
ترميم أم تدمير؟!.. التاريخ تحت المقص البلدي
ما يجري في سور مجرى العيون لا يمكن وصفه بالترميم بالمعنى العلمي، بل هو إعادة تشكيل قسرية لمعالم التاريخ لتتماشى مع رؤية السلطة في “القاهرة الجديدة”، التي لا مكان فيها للهوية القديمة إلا كواجهة سياحية مصقولة.
فوزارة الآثار أكدت في بيانها أن الجزء الجاري تنظيفه "حديث البناء" ويعود للثمانينيات، لا للأصل الأيوبي، لكن الصور المتداولة تظهر بوضوح امتداد الأعمال إلى أجزاء قديمة من السور ما تزال تحتفظ بملامحها الأصلية.
بحسب متخصصين في الترميم تحدثوا لوسائل إعلام مستقلة، فإن استخدام تقنية “السفع بالرمال”، حتى وإن كانت ناعمة، يغرّق سطح الحجر الطبيعي بآثار احتكاك ميكانيكي تؤدي إلى تآكله مع الوقت، خاصة في بيئة ملوثة ورطبة كالقاهرة.
المهندس المعماري محمد عبد المنعم حسن، الخبير في ترميم الآثار الإسلامية، وصف ما يجري بأنه "انتهاك فاضح للقواعد الدولية لصون التراث"، موضحًا أن المعايير التي وضعتها منظمة اليونسكو تمنع استخدام أي وسيلة كاشطة على الأسطح الحجرية الأصلية.
وأضاف: “تفسير الحكومة بأن الجزء من السور حديث البناء لا يبرر تشويهه، فحتى الإضافات اللاحقة تعد جزءًا من الذاكرة التاريخية وتخضع لذات ضوابط الحماية.”
ولا تقف الكارثة عند الجدار نفسه، بل تمتد إلى المشروع الأوسع لتطوير المنطقة، الذي حوّل محيط السور إلى مساحة تجارية وسياحية مسقوفة تضيع فيها روح المكان. فبدلًا من إنقاذ القاهرة التاريخية، يتم تحويلها إلى “منتج معماري للتصوير والمهرجانات”.
سياسات محو الهوية في ثوب "التنمية"
منذ العام 2014، اتبعت حكومة السيسي نمطًا متكررًا من “التطوير بالقوة” طال مناطق أثرية في القاهرة والإسكندرية وسيناء.
ففي فترات سابقة، أُزيلت أحياء كاملة مجاورة لسور مجرى العيون ضمن ما سُمّي بمشروع “تطوير القاهرة التاريخية”، واندثرت معها عمائر عثمانية ومبانٍ مملوكية نادرة، بزعم “إخلاء المناطق العشوائية”.
تقول الدكتورة سناء عبد السلام، أستاذة العمارة الإسلامية بجامعة القاهرة: “الحكومة تتعامل مع الآثار كعقارات قابلة لإعادة التوظيف، وليس باعتبارها سجلًا للذاكرة المصرية.”
وتضيف: “ما يحدث الآن في سور مجرى العيون هو إعادة إنتاج لسيناريو حيّ الوزير وشارع المعز؛ تقليص الطابع الأثري لصالح مشروعات تجارية تدر أرباحًا، بينما تفقد القاهرة وجهها الحقيقي.”
ويرى مؤرخون أن هذا التوجه يكشف عن انفصال كامل بين رؤية السلطة وبين قيم الحفاظ على التراث. فبدلًا من ترميم الحجر، يتم زرع البلاط والأسمنت وتغيير ملامح المكان ليتناسب مع صورة “المدينة الحديثة” التي تروّجها الحكومة في بروشوراتها الدعائية.
وبينما يُنفق الملايين لتجميل الواجهات، تُهمل الأحياء المحيطة بالسور في فقرٍ مدقع، بلا بنية تحتية ولا خدمات، وكأن التاريخ يُعاد طلاؤه للعرض فقط، لا للحياة.
ردّ رسمي بارد.. وضجيج شعبي غاضب
بيان وزارة السياحة والآثار لم ينجح في تهدئة الرأي العام. بل زاد الغضب الشعبي بعدما وصفت الوزارة الانتقادات بأنها “مبالغات على مواقع التواصل”.
فقد امتلأت صفحات "إكس" و"فيسبوك" بصور الترميم المثيرة للجدل مرفقة بتعليقات مثل: “ترميم أم محو للتاريخ؟” و“القاهرة تفقد ذاكرتها بالحجر والرمل.”
المفارقة أن الوزارة اعترفت ضمنيًا في بيانها بأن الجزء الذي انهار في القرن الماضي أعيد بناؤه في الثمانينيات بأحجار مختلفة، لكنها لم تفسّر لماذا يُعامل اليوم بالطريقة نفسها وكأنه جدار إسمنتي بلا قيمة تاريخية.
ويقول الناقد المعماري شريف خالد: “إذا استمر الأمر بهذا الشكل، فالقاهرة ستفقد أهم نقاطها البصرية خلال سنوات. الجريمة ليست في السفع الرملي وحده، بل في غياب فلسفة الصون. الدولة تتعامل مع التراث عشوائيًا كما تتعامل مع ملف السكن؛ هدم سريع وبناء بلا ذاكرة.”
ويرى ناشطون ثقافيون أن الترميم أصبح وسيلة لتبرير التغيير الجذري في الطابع التاريخي. فبدلاً من صيانة ما تبقّى، تُستخدم مشاريع "التجديد" لدفع الأهالي خارج مناطقهم وتحويل المواقع الأثرية إلى "مولات سياحية".
ويقول أحد سكان المنطقة القديمة: "أول ما شالوا البيوت اللي حوالين السور قالوا عشان يرمموه.. دلوقتي بيكحّلوه بالرمل ويقولوا ده تطوير. إحنا شايفين الهدم بأعيننا."
وختاما فمن سور مجرى العيون إلى مقابر القاهرة المملوكية وأسوار صلاح الدين، تتكرر نفس الجريمة: دولة تُجمّل الخراب وتُعيد كتابة التاريخ بممحاةٍ من الرمل والإهمال.
تبريرات الوزارات لا تمحو الحقيقة الواضحة للعين المجردة — أن القاهرة القديمة تُغتال ببطء تحت شعار “التنمية”، وأن ما يُرمم اليوم لا يُعاد للحياة بل يُفرّغ من روحه.
وحين يُمحى التراث بهذه الطريقة، لا تُدفن الحجارة فقط، بل ذاكرة وطنٍ بأكمله.

