يتصاعد التوتر بين القيادة المصرية وقائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر، في مشهد يعكس مأزقاً حقيقياً تعيشه القاهرة بعد سنوات من الرهان شبه الكامل على الجنرال الليبي كذراع لها غرباً.
فبدلاً من أن يتحرك حفتر وفق حسابات الأمن القومي المصري، اختار دعم مليشيا قوات الدعم السريع في السودان، في مسار يتقاطع مباشرة مع المصالح المصرية التي تساند الجيش السوداني في مواجهة محمد حمدان دقلو "حميدتي".
الرسائل الغاضبة التي بعثتها القاهرة لحفتر، وزيارته المتوترة للقاهرة مع نجليه، ثم تحرك وفد أمني مصري رفيع نحو طرابلس للقاء عبد الحميد الدبيبة، كلها تعكس انتقال مصر من موقع الطرف الممسك بخيوط اللعبة، إلى لاعب مرتبك يحاول تدارك نتائج رهاناته الخاطئة في ليبيا والسودان معاً.
حفتر يتجاهل التحذيرات المصرية
بحسب ما نُقل عن مصادر مصرية مطلعة على الملف الليبي، أرسلت القاهرة خلال الأسابيع الماضية سلسلة من الرسائل المباشرة إلى حفتر تطالبه بوقف أي دعم أو تسهيلات لوجستية لقوات الدعم السريع عبر الأراضي الليبية.
الرسائل شددت على أن تمرير السلاح أو المقاتلين أو الإمدادات عبر الجنوب الليبي لصالح حميدتي يمسّ الأمن القومي المصري على الجبهتين الغربية والجنوبية معاً، في ظل حرب مفتوحة في السودان وانقسام حاد بين الجيش والدعم السريع.
لكن حفتر، وفق المصادر نفسها، لم يبدِ التزاماً حقيقياً بهذه التحذيرات، وواصل سياسته في مساندة قوات الدعم السريع، مستنداً إلى شبكة تحالفات إقليمية مع قوى نافذة تستفيد من الذهب والتهريب في المثلث الحدودي بين ليبيا والسودان ومصر.
هذا السلوك وضع القاهرة في موقف الضعيف أمام حليف يفترض أنه يعتمد على دعمها، إذ اكتشفت أن نفوذها على حفتر أقل بكثير مما سوّقته لنفسها خلال السنوات الماضية.
زيارة متوترة للقاهرة ورسالة بلا استجابة
زيارة حفتر ونجليه خالد وصدام إلى القاهرة مطلع ديسمبر/كانون الأول الماضي جرت في أجواء وصفتها المصادر بأنها "متوترة" و"غير ودية"، بعد تراكم الشكوك المصرية تجاه دوره في السودان.
اللقاءات لم تكن بروتوكولية، بل شهدت انتقادات مصرية حادة للنهج الذي يتبعه حفتر، خاصة إصراره على دعم مليشيا الدعم السريع وعدم تعاطيه بجدية مع المخاوف المصرية السابقة.
خلال هذه الزيارة، أُبلغ حفتر بشكل صريح بإمكانية حدوث تحول سلبي في العلاقة إذا استمر في هذا المسار، مع التأكيد على أن مصر تنظر إلى ليبيا كعمق أمني استراتيجي غرباً، وإلى السودان كبعد لا يقل أهمية جنوباً، وأن تشكل تحالفات مسلحة عابرة للحدود يضر بالاستقرار الإقليمي ويهدد القاهرة نفسها.
ومع ذلك، لم تخرج الزيارة بتعهدات واضحة قابلة للقياس، ما رسّخ انطباعاً داخل دوائر القرار في القاهرة بأن قدرتها على ضبط سلوك حفتر محدودة، وأنها باتت مضطرة للبحث عن أوراق بديلة داخل الساحة الليبية.
زيارة طرابلس: بحث عن بدائل لا استعراض قوة
في هذا السياق، جاءت زيارة وفد أمني مصري رفيع إلى غرب ليبيا، بقيادة نائب رئيس جهاز المخابرات العامة اللواء خالد حسين، ولقاؤه رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، كرسالة عملية إلى حفتر مفادها أن مصر لم تعد رهينة لتحالف واحد في ليبيا.
الزيارة حملت بعداً سياسياً واضحاً، إذ ربطتها المصادر مباشرة بحالة التوتر مع حفتر، ووصفتها كأحد أدوات الضغط غير المباشر على قائد قوات شرق ليبيا.
في الوقت نفسه، لم تكن الزيارة مجرد استعراض للعلاقات مع طرابلس، بل جاءت أيضاً لمتابعة المشروعات المصرية في غرب ليبيا، ومحاولة الحفاظ على حضور اقتصادي وسياسي في منطقة ظلت لسنوات أقرب إلى خصوم القاهرة.
التحرك المصري نحو الدبيبة يعكس إدراكاً متأخراً بأن الرهان الأحادي على حفتر جعل السياسة المصرية في ليبيا رهينة لمغامراته، وأن الحفاظ على "وحدة الدولة الليبية" ومنع انزلاقها إلى صراع إقليمي مفتوح لم يعد ممكناً عبر قناة واحدة.
مع ذلك، تُظهر تفاصيل التحركات أن القاهرة تتحرك من موقع القلق والدفاع أكثر من موقع المبادرة والسيطرة، فهي تحاول احتواء احتمال تحوّل الجنوب الليبي إلى منصة دائمة لدعم قوات معادية لمصالحها في السودان، وليس صياغة معادلة إقليمية جديدة من موقع قوة.
القاهرة بين ليبيا والسودان: سياسة ارتباك لا نفوذ مستقر
الخلاصة التي تحملها شهادات المصادر المصرية أن النظام في القاهرة بات أكثر استعداداً لاستخدام ما يملكه من أوراق سياسية وأمنية لإعادة ضبط سلوك حفتر، لكنه يفعل ذلك من داخل مأزق صنعه بنفسه عبر سنوات من الاعتماد شبه الكامل على رجل واحد في شرق ليبيا.
تشابك الملفين الليبي والسوداني، وازدياد القلق من تحوّل الجنوب الليبي إلى ممر لقوى مسلحة معادية، يكشف أن مصر تتحرك الآن لتقليل الخسائر وليس لتعزيز نفوذ راسخ.
التحركات الأخيرة تحمل رسالة مزدوجة: تحذير مباشر لحفتر بأن تجاهل المخاوف المصرية لن يمر دون رد، وإشارة إلى أن القاهرة مضطرة لفتح قنوات مع أطراف أخرى في ليبيا بعد أن اكتشفت حدود نفوذها الفعلية على الأرض.
في المشهد الراهن، لا يبدو السيسي لاعباً ممسكاً بكل الأوراق بقدر ما يبدو طرفاً يحاول الخروج بأقل قدر من الأضرار من شبكة ملفات متداخلة في ليبيا والسودان، صنعتها رهانات سياسية وأمنية لم تعد تمنحه هامش الحركة الذي ادّعاه لسنوات.

