في صفقة جديدة من سلسلة تصفية أصول الدولة المصرية، تسلمت حكومة الانقلاب يوم الثلاثاء 30 ديسمبر 2025، دفعة نقدية قيمتها 3.5 مليارات دولار من شركة الديار القطرية، ضمن اتفاقية لبيع منطقة سملا وعلم الروم بالساحل الشمالي الغربي في محافظة مطروح.
الصفقة المثيرة للجدل، الموقعة في نوفمبر 2025، تشمل التخلي عن 4900 فدان من أثمن الأراضي الساحلية على واجهة بحرية تمتد لأكثر من 7 كيلومترات.
وبينما تروج الحكومة للصفقة كـ"إنجاز استثماري"، يتصاعد السؤال الأهم:
أين ستذهب هذه المليارات؟
ولماذا يتم التعامل مع ثروات الشعب المصري في غياب تام للشفافية والمحاسبة؟
سيولة عاجلة لسد فجوات الفشل الاقتصادي
جاءت الصفقة كمحاولة يائسة لضخ سيولة عاجلة في اقتصاد منهار تحت وطأة دين خارجي تجاوز 161 مليار دولار، نتيجة سنوات من القرارات الاقتصادية الكارثية والإنفاق المفرط على مشروعات غير منتجة.
بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، تلجأ السلطة إلى بيع الأصول الاستراتيجية الواحد تلو الآخر، في نمط يذكّر بصفقة رأس الحكمة المثيرة للجدل.
يؤكد الدكتور عز الدين حسانين، الخبير الاقتصادي، أن "الصفقة ستخفض الدين الخارجي لمصر بقيمة 4 مليارات دولار، وستعزز الاحتياطي من النقد الأجنبي".
لكن السؤال الجوهري يظل معلقًا:
هل ستُستخدم هذه الأموال لسداد ديون تراكمت بسبب مشروعات عملاقة فاشلة؟
أم ستُبدد في مزيد من الإنفاق غير المدروس؟
ومن يضمن ألا تختفي في جيوب المقربين من السلطة؟
الدكتورة مروة الشافعي، الخبيرة الاقتصادية، تصف الصفقة بأنها "نموذج للشراكة الاستثمارية الذكية" ، لكن هذا التفاؤل لا يُجيب عن التساؤل الأخطر: أين آليات الرقابة البرلمانية المستقلة؟
وكيف سيتم نشر تقارير دورية حول استخدام هذه الأموال؟
في ظل غياب أي إفصاح حقيقي، تتحول هذه المليارات إلى أموال مجهولة المصير.
اقتصاد ريعي يُخدم النخبة ويُهمش الشعب
المشروع الذي يُروَّج له كـ"تنموي" يكشف حقيقة مُرة: إنه مشروع نخبوي بامتياز، يركز على الإسكان الفاخر والمنتجعات السياحية الراقية - بحيرات صناعية، ملاعب جولف، مارينا دولية.
أين المصانع؟
أين المشروعات الإنتاجية؟
أين البنية التحتية التي تخدم ملايين المصريين البسطاء؟
الدكتور علي الإدريسي يصف الاتفاق بأنه "بداية موجة تدفقات عربية جديدة" ، لكن السؤال: تدفقات لصالح من؟ هل لصالح المواطن الذي يعاني من التضخم الجامح وارتفاع الأسعار؟ أم لصالح شركات نخبوية ستحصد الأرباح بينما يظل الشعب يدفع الثمن عبر الضرائب والرسوم المتزايدة؟
الدكتور محمد فؤاد يشير إلى أن الصفقة "تمثل جزءًا حيويًا من استراتيجية جذب الاستثمارات الأجنبية" ، لكن أي استراتيجية هذه التي تُحوّل الشواطئ المصرية إلى منتجعات حصرية للأثرياء؟
المشروع يعمّق "اقتصاد الريع العقاري" من دون أي قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني أو فرص عمل مستدامة لعموم المصريين.
تهجير الأهالي ومصادرة حقوقهم
الكارثة الأكبر تقع على أهالي سملا وعلم الروم الذين يدفعون الثمن الأفدح.
تراجعت الحكومة عن تعويضات عادلة، وخُفِّضت قيمة التعويض للمتر المبني إلى النصف، وحُرم المزارعون من تعويضات زراعية كافية.
بدأت الإزالات قبل تسوية عادلة، في انتهاك صارخ للمادة 35 من الدستور التي تكفل الملكية الخاصة وحق التعويض العادل المسبق.
ورغم الوعود بـ250 ألف فرصة عمل ، لا أحد يسأل: كم من هذه الوظائف ستكون لأبناء المنطقة المهجرين؟
وكم ستكون وظائف هامشية بأجور متدنية في خدمة مشروعات فاخرة لن يستطيعوا الاقتراب منها؟
من صفقة رأس الحكمة البالغة 35 مليار دولار إلى علم الروم بـ3.5 مليار، يتكرر النمط: بيع الشواطئ الاستراتيجية لتحصيل سيولة سريعة تُستخدم كمسكّن مؤقت لأزمة اقتصادية مزمنة، من دون أي رؤية حقيقية للإصلاح.
الخلاصة: المصريون يستحقون إجابات واضحة لا مراوغات دعائية:
أين ستذهب الـ3.5 مليارات دولار بالتحديد؟
كم سيُخصص لسداد الديون؟
كم للمشروعات الإنتاجية؟
كم لتحسين الخدمات الصحية والتعليمية؟
من سيراقب الإنفاق؟
ومن سيُحاسب في حالة الفساد أو سوء الاستخدام؟
في غياب الشفافية والمحاسبة، تُباع السواحل واحدة تلو الأخرى، بينما يظل مصير المليارات لغزًا محاطًا بجدار من التكتم والغموض.
وتبقى الحقيقة المُرة: الشعب يدفع الثمن، والسلطة تبيع الأصول، ولا أحد يُحاسب.

