في ديسمبر 2025، أصدر مجلس الوزراء السعودي برئاسة الملك سلمان قرارًا تاريخيًا: مهلة 24 ساعة للإمارات لسحب قواتها من اليمن وإيقاف دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، وإلا ستتخذ المملكة "الإجراءات اللازمة لمواجهة أي تهديد يمس أمنها الوطني".

 

الإمارات حليف استراتيجي وشريك في التحالف، لكن عندما هددت تحركاتها الأمن القومي السعودي، لم يتردد بن سلمان في ضربها بيد من حديد. في المقابل، قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي يشاهد إسرائيل تطوّق مصر من كل الجهات (سيناء، البحر المتوسط، إثيوبيا، أرض الصومال)، وبدلاً من المواجهة، يوقع معها صفقات غاز تاريخية ويعمّق التنسيق الأمني. الفارق بين الموقفين يكشف الفرق بين قائد يدافع عن بلاده وانقلابي يبيعها.

 

بن سلمان أثبت أن الأمن القومي أولوية مطلقة لا تُساوم عليها، حتى مع أقرب الحلفاء. بينما السيسي يتنازل عن الأمن القومي المصري يوميًا لإرضاء واشنطن وتل أبيب، حتى لو كان الثمن تطويق مصر ووجودها ذاته.

 

بن سلمان يضرب الإمارات والسيسي يحالف من يحاصره

 

الموقف السعودي من الإمارات في أزمة اليمن يجسد معنى الدفاع عن الأمن القومي. رغم العلاقات الاستراتيجية والشراكة في التحالف، عندما أدرك بن سلمان أن التحركات الإماراتية في جنوب اليمن تهدد الأمن السعودي وتعرقل جهود التهدئة، لم يتردد في إصدار مهلة 24 ساعة والتهديد باتخاذ "الإجراءات اللازمة". المجلس السعودي اعتبر التصعيد الإماراتي "مخالفًا للأسس التي قام عليها تحالف دعم الشرعية ولا ينسجم مع الوعود".

 

هذا هو تعريف القيادة: حماية المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. بن سلمان سبق أن قال لـ"الشرق الأوسط" عام 2019: "المملكة لا تريد حربًا في المنطقة، لكننا لن نتردد في التعامل مع أي تهديد لشعبنا وسيادتنا ومصالحنا الحيوية". وقد ترجم هذا الكلام على أرض الواقع، حتى مع حليف وثيق.

 

في المقابل، السيسي يواجه تهديدات أخطر بكثير لكنه لا يحرك ساكنًا. إسرائيل تسيطر على سيناء أمنيًا، وتتحكم في غاز البحر المتوسط، وتدعم إثيوبيا في سد النهضة الذي يهدد الأمن المائي المصري، والآن تعترف بأرض الصومال لتطويق مصر من الجنوب عبر باب المندب. كل هذا، والسيسي يوقع صفقات غاز مع إسرائيل ويعمق التنسيق الأمني معها. إنه لا يدافع عن أمن مصر، بل يساعد من يحاصرها.

 

اتفاقيات دفاع استراتيجي مقابل تواطؤ مع المهددين

 

بن سلمان لم يكتفِ بالدفاع ضد التهديدات، بل بنى شبكة تحالفات استراتيجية لحماية الأمن القومي السعودي. في 2025 وقّع اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك مع باكستان تنص على أن "أي اعتداء على أحد البلدين يُعد اعتداءً على الآخر". وفي زيارته لواشنطن نوفمبر 2025، وقع اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك مع أمريكا "تعزز التنسيق العسكري طويل المدى، وتدعم الجاهزية الدفاعية والقدرات الردعية".

 

هذه اتفاقيات حقيقية تحمي الأمن القومي وتبني قدرات ردعية. بن سلمان يعلم أن القوة هي ما يحمي الدول، فيبني تحالفات عسكرية واقتصادية ضخمة (270 مليار دولار استثمارات من الزيارة الأمريكية وحدها).

 

السيسي في المقابل، يوقع اتفاقيات مع من يهدد مصر. يصدّر الغاز لإسرائيل بينما المصريون يعانون نقصًا في الطاقة، يعمّق التنسيق الأمني مع تل أبيب بينما تدعم إثيوبيا في سد النهضة، يصمت على الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال الذي يطوق مصر من الجنوب. "التحالفات" التي يبنيها السيسي ليست لحماية مصر، بل لحماية نظامه على حساب الأمن القومي المصري.

 

حتى في ملف غزة، المصادر الإسرائيلية نفسها تتحدث عن "تحالف مصري سعودي جديد" بدأ يقلق إسرائيل ، لكن الفارق أن السعودية تتحرك من موقع قوة وتفرض شروطها، بينما مصر تتحرك من موقع ضعف وتقبل ما يُملى عليها.

 

موقف حازم من التمدد الإسرائيلي مقابل صمت مخزٍ

 

الموقف السعودي من اعتراف إسرائيل بأرض الصومال كان واضحًا وحازمًا. مجلس الوزراء السعودي "جدد دعم المملكة لسيادة الصومال ووحدة أراضيها، معلنًا رفضه القاطع للاعتراف المتبادل بين سلطات الاحتلال الإسرائيلي وما يسمى إقليم أرض الصومال كونه يمثل إجراءً انفصاليًا يخالف القانون الدولي". هذا الموقف ليس مجرد بيان دبلوماسي، بل جزء من استراتيجية سعودية واضحة لمواجهة التمدد الإسرائيلي الذي يهدد الأمن الإقليمي والخليجي.

 

بن سلمان يدرك أن الوجود الإسرائيلي في أرض الصومال يعني تهديدًا مباشرًا لباب المندب والبحر الأحمر، وبالتالي للأمن الخليجي والملاحة السعودية. لذلك اتخذ موقفًا حازمًا، وربط هذا الموقف بتحركات دبلوماسية وعسكرية أوسع لحماية المصالح السعودية.

 

السيسي في المقابل، لم يصدر أي موقف رسمي واضح من الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، رغم أن هذا التمدد يهدد الأمن القومي المصري أكثر من السعودي. مصر هي الأقرب لباب المندب، وقناة السويس تعتمد على أمن البحر الأحمر، والتطويق الإسرائيلي من الجنوب يكمل الكماشة الاستراتيجية حول مصر. لكن السيسي يصمت، لأن موقفه من إسرائيل ليس موقف دولة مستقلة تدافع عن أمنها، بل موقف نظام يعتمد على رضا تل أبيب وواشنطن لاستمراره.

 

الدرس واضح: القادة الأقوياء يدافعون عن أمنهم القومي حتى ضد أقرب الحلفاء، بينما الأنظمة الضعيفة المرتهنة تبيع أمنها القومي لمن يضمن بقاءها في السلطة. بن سلمان ضرب الإمارات عندما هددت أمن السعودية، بينما السيسي يحالف إسرائيل بينما تطوّق مصر وتهدد وجودها. الفارق ليس في القدرات فقط، بل في الإرادة السياسية: بن سلمان يحكم لحماية بلاده، السيسي انقلب لحماية نفسه.