إعلان إسرائيل الاعتراف بأرض الصومال كدولة مستقلة، متزامنًا مع إصرار إثيوبيا على الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، يكشف عن صفقة إقليمية خطيرة تستهدف تفكيك دولة عربية ذات سيادة وتحويل القرن الأفريقي إلى ساحة صراع مفتوحة. وزير الخارجية الإثيوبي جديون طيموثيوس يعلن صراحة أن الحصول على منفذ بحري "أولوية استراتيجية" و"حق مشروع"، بينما نتنياهو يمنح أديس أبابا أداة سياسية لتحقيق هذا الهدف عبر الاعتراف بكيان انفصالي على حساب الصومال.

 

هذا التحالف المشبوه بين طموح إثيوبيا التوسعي والاستراتيجية الإسرائيلية لتفتيت الدول العربية يمثل تهديدًا مباشرًا ليس للصومال وحده، بل للأمن القومي العربي بأكمله. رفض 21 دولة ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأوروبي لهذه الخطوة يؤكد أنها خرق صارخ للقانون الدولي، لكن السؤال الحقيقي: أين الموقف العربي الموحد والفعّال في مواجهة هذا التهديد الاستراتيجي؟

 

الطموح الإثيوبي: توسع على حساب الجيران

 

إثيوبيا تقدم مطلبها للحصول على منفذ بحري كـ"حق مشروع" و"أولوية استراتيجية لأجيالها المقبلة"، لكنها تتجاهل حقيقة واضحة: الوصول للبحر لا يمكن أن يكون على حساب سيادة دولة مستقلة وانتهاك وحدة أراضيها. أديس أبابا لديها خياران شرعيان: اتفاقيات استخدام الموانئ مع دول الجوار (كما تفعل مع جيبوتي)، أو ترتيبات تجارية طويلة الأمد. لكنها بدلاً من ذلك تختار الطريق الأخطر: التحالف مع إسرائيل لتفكيك الصومال ونحت منفذ بحري بالقوة السياسية والضغط الإقليمي.

 

الحديث عن "أدوات دبلوماسية نشطة" و"رفع مستوى الوعي الدولي" يخفي حقيقة أن إثيوبيا تسعى لفرض أمر واقع يقوض استقرار المنطقة. تعاملها مع أزمة سد النهضة مع مصر والسودان يكشف نمطًا متكررًا: أديس أبابا تفرض إرادتها الأحادية دون احترام لحقوق الآخرين أو قواعد القانون الدولي، وتستخدم الدعم الدولي (وتحديدًا الإسرائيلي) لتحقيق أهداف توسعية على حساب جيرانها.

 

التحول من "التبرير النظري إلى البحث العملي عن سبل تأمين منفذ" الذي يتحدث عنه وزير الخارجية الإثيوبي يعني ببساطة: إثيوبيا انتقلت من الحديث إلى التنفيذ، وإعلان نتنياهو الاعتراف بأرض الصومال هو أول خطوة عملية في هذا المشروع التفتيتي.

 

إسرائيل: استراتيجية تفتيت الدول العربية

 

اعتراف إسرائيل بأرض الصومال ليس موقفًا إنسانيًا أو قانونيًا، بل هو جزء عضوي من استراتيجية إسرائيلية قديمة لتفكيك الدول العربية وتحويل المنطقة إلى كانتونات صغيرة متصارعة. من دعم الانفصاليين في جنوب السودان، إلى العلاقات مع الأكراد، وصولاً إلى الاعتراف بأرض الصومال، النمط واضح: إسرائيل تدعم كل حركة انفصالية تضعف دولة عربية أو إسلامية.

 

الاعتراف بأرض الصومال يخدم إسرائيل على أكثر من مستوى: أولاً، يمنحها موطئ قدم استراتيجي على البحر الأحمر وباب المندب عبر علاقة مع كيان صغير ضعيف يحتاج دعمها اليائس للاعتراف الدولي. ثانيًا، يكافئ إثيوبيا حليفتها الاستراتيجية التي تقف ضد مصر في ملف سد النهضة وتوفر لإسرائيل عمقًا أفريقيًا. ثالثًا، يضرب نموذجًا لباقي الدول: من يتحالف مع إسرائيل يحصل على دعمها في تحقيق أهدافه حتى لو كانت تفتيت دول أخرى.

 

الخطورة الأكبر أن هذا الاعتراف يأتي في توقيت يشهد تمددًا إسرائيليًا غير مسبوق في المنطقة: من التطبيع الخليجي، إلى التحالف مع إثيوبيا ضد مصر، إلى محاولات الاختراق في القرن الأفريقي. إسرائيل تبني شبكة نفوذ إقليمية تحاصر العرب من كل الجهات، وتفتيت الصومال خطوة أخرى في هذه الاستراتيجية الشاملة.

 

الصمت العربي: تفكيك دولة عربية دون رد فعّال

 

رغم خطورة ما يجري، الموقف العربي الرسمي لا يتجاوز البيانات الإنشائية. 21 دولة ومنظمة التعاون الإسلامي أصدرت بيانًا "يؤكد الدعم الكامل لسيادة الصومال"، لكن أين الإجراءات العملية؟ أين الضغط الدبلوماسي الحقيقي على إثيوبيا؟ أين العقوبات الاقتصادية؟ أين تفعيل الجامعة العربية لحماية دولة عضو تتعرض لمحاولة تفكيك؟

 

الأخطر أن بعض الأنظمة العربية المطبعة مع إسرائيل صامتة تمامًا، أو في أحسن الأحوال تصدر بيانات خجولة. كيف يمكن لدول طبّعت مع إسرائيل أن تواجه مشروعها التفتيتي؟ التطبيع يعني التواطؤ، وما يحدث للصومال اليوم قد يحدث لأي دولة عربية غدًا.

 

الاتحاد الأوروبي أظهر موقفًا أوضح من العرب بتأكيده احترام "وحدة الصومال وسيادته وسلامة أراضيه"، بينما العرب يكتفون ببيانات لا تخيف أحدًا ولا تغير شيئًا على الأرض. هذا العجز العربي المزمن هو ما يشجع إسرائيل وإثيوبيا على المضي قدمًا في مشاريعهما التفتيتية.

 

تحالف إثيوبيا وإسرائيل لتفكيك الصومال وخلق كيان انفصالي على البحر الأحمر يمثل تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا للأمن القومي العربي. منفذ إثيوبيا البحري المنشود سيكون على حساب سيادة دولة عربية، والوجود الإسرائيلي في أرض الصومال يعني سيطرة على باب المندب وتطويق العرب من الجنوب. الصمت العربي على ما يجري ليس فقط تخاذلاً عن الصومال، بل انتحار استراتيجي بطيء لأمة تشهد تفتيت دولها واحدة تلو الأخرى دون رد فعّال.