لم تكن جرافات حكومة الانقلاب التي دخلت منطقة بطن البقرة ومحيطها مجرد «أداة تطوير» كما يروّج إعلام السيسي، بل كانت بالنسبة لآلاف الأسر بداية رحلة قسرية نحو المجهول، تحت عنوان كاذب اسمه «مصر بلا عشوائيات».

 

على الورق، تتحدث البيانات الرسمية عن «تسكين 1900–2000 أسرة في الأسمرات بوحدات مفروشة»، لكن على الأرض، تكشف شهادات الأهالي من بطن البقرة والسيدة زينب عن واقع مختلف: أسر هُدمت منازلها، قيل لها «البديل جاهز خلال شهور»، ثم تُركت لسنوات تدفع إيجارات نار أو تنام في غرف رطبة بلا عقد ولا ضمان.

 

 

بيوت مهدومة وأسر معلّقة بين الأسمرات والإيجار

 

محافظة القاهرة وصندوق التنمية الحضرية يتباهيان في كل مناسبة بأن منطقة بطن البقرة أزيلت بالكامل، وأن كل شاغليها «تم تعويضهم بوحدات بديلة في مشروع الأسمرات بإجمالي نحو 2000 وحدة، بتكلفة تتجاوز مليار جنيه». لكن هذه الرواية الرسمية تتجاهل عن عمد التفاصيل القاتلة: من الذي اعتُبر «مستحقًا»؟ كم أسرة حُسبت على الورق ولم تحصل على شيء؟ وكم شخص اكتشف أن اسمه غير موجود في كشوف الحصر بعد أن صار منزله كومة تراب؟

 

تقارير ميدانية عن الإخلاءات القسرية في العشوائيات القاهرية، ومن ضمنها بطن البقرة، وثّقت نمطًا متكررًا: لجان حصر تأتي على عجل، قوائم تُخطئ في أسماء أو تستبعد أسرًا كاملة، إنذارات بالإزالة لا تُرفق بضمان فعلي للبديل، ثم هدم سريع تحت حماية أمنية، ووعود مبهمة بأن «الأسمرات مستنياكم». من لا يجد اسمه في الكشوف يُترك يقاتل وحده بين مكاتب الحي، أو يُدفع للقبول بـ«بدل إيجار» هزيل لا يكفي ربع تكلفة سكن بديل في القاهرة الملتهبة بالأسعار.

 

شكاوى الأهالي: أربع سنوات انتظار ووعود كاذبة

 

فيديوهات بثّتها صفحات محلية وبرامج «بث مباشر» من السيدة زينب تكشف جانبًا مما حاولت حكومة الانقلاب إخفاءه؛ متضررون من هدم منازلهم في محيط بطن البقرة وروضة السيدة يشكون من وقف تسليمهم الوحدات البديلة «المستحقة منذ أربع سنوات» رغم استكمال مشروعات الإسكان التي قيل إنها خُصصت لهم. في أحد هذه المقاطع، يقف الأهالي أمام الكاميرا يروون كيف وُقّعوا على إخلاء منازلهم على وعد بوحدة جاهزة، ثم وجدوا أنفسهم موزعين بين شقق إيجار في أحياء أبعد، بإيجارات تعادل أو تفوق كامل دخولهم الشهرية.

 

هذه الشهادات لا تأتي من «نشطاء معارضين» كما يحب إعلام السيسي أن يشيطن أي صوت مختلف، بل من رجال ونساء بسطاء يحملون عقودهم وقرارات إخلائهم في أيديهم، ويطالبون بحريتهم في أن يعودوا إلى مكان لائق ومستقر، بدلاً من حياة التنقل كل ستة أشهر بين مالك جشع وآخر. عندما تتأخر الحكومة في تسليم الوحدات لسنوات، بينما تتباهى في نشرات الأخبار بجمال واجهات «روضة السيدة 2» و«الفسطاط فيو»، فهذا ليس مجرد «بطء إداري»، بل جريمة سياسية واقتصادية كاملة الأركان في حق مواطنين نزعت الدولة بيدها أمنهم السكني.

 

مشروعات بمليارات.. وسكان بين الجوع والإيجار

 

في الوقت الذي تُهدم فيه بيوت بطن البقرة وأحياء مجاورة، تُطرح الأرض التي عاش عليها هؤلاء لعقود ضمن مشروع استثماري–سياحي ضخم يتخذ أسماء براقة مثل «جوهرة الفسطاط» و«الفسطاط فيو»، بأبراج سكنية وتجارية وفنادق وممشى سياحي متاخم لمتحف الحضارة وحديقة الفسطاط. الحكومة تتحدث عن «استرداد أراضي الدولة وإعادة إحياء القاهرة التاريخية»، لكنها لا تشرح كيف يمكن لإنصاف العدالة أن يتعايش مع واقع تُنفق فيه المليارات على الواجهات الحجرية، بينما يُترك جزء من الأهالي في إيجارات مؤقتة بلا سقف زمني لتسليم وحداتهم أو حق واضح في العودة لمنطقتهم.

 

حتى من حصلوا فعلاً على وحدات في الأسمرات أو غيرها، يدفعون ثمنًا اجتماعيًا واقتصاديًا باهظًا: انقطاع عن شبكات العمل غير الرسمي التي بنوها حول مناطق سكنهم القديمة، بعد المسافة عن أماكن الرزق والمدارس، ارتفاع تكاليف المواصلات، ورسوم وخدمات لا تتناسب مع دخولهم الهشة، كما رصدت تقارير مستقلة عن أوضاع المنقولين من بطن البقرة وماسبيرو ومجرى العيون. أن تهدم الدولة بيوتك بلا بديل عادل، أو تنقلك إلى سكن لا تستطيع تحمّل كلفته أو العيش فيه بكرامة، ليس «تطويرًا»، بل تطهيرًا طبقيا للأرض من الفقراء لصالح مستثمرين ومشروعات تتزيّن بشعار «الجمهورية الجديدة».

 

ما الذي يطالب به أهالي بطن البقرة ومحيطها؟

 

في مواجهة هذا الظلم المركّب، يرفع الأهالي ومؤيدوهم من الحقوقيين مجموعة مطالب واضحة: أولها نشر كشوف الحصر وأسماء المستحقين للوحدات البديلة بشفافية، حتى لا يُمحى الناس من على الورق بعد أن مُحيت منازلهم من على الأرض. ثانيها تحديد جداول زمنية مُلزِمة لتسليم الوحدات، مع صرف بدل إيجار حقيقي يغطي كلفة السكن في نفس نطاق المدينة إلى حين التسليم، وليس مبالغ دعائية لا تصمد أسبوعًا في سوق الإيجارات الحالي.

 

ثالثًا، أن يُعترف بحق السكان في العودة إلى محيط منطقتهم الأصلية أو التمركز قرب أماكن عملهم ومدارس أبنائهم، بدل نفيهم القسري إلى أطراف المدينة كمادة خام لمعارض الديكور الحكومية. وأخيرًا، أن تُراقَب هذه العملية من جهات مستقلة – حقوقية وقضائية – لا تخشى السلطة التنفيذية، حتى لا يبقى مصير آلاف الأسر معلّقًا على توقيع موظف في حي، أو مزاج ضابط ينظر إلى بيوت الناس باعتبارها «تعديات» وليست حياة بشرية.