يواجه عشرات الآلاف من مرضى السكري في قطاع غزة، في ظل كارثة إنسانية غير مسبوقة، معركة مزدوجة للبقاء على قيد الحياة. فبينما تفتك آلة الحرب الإسرائيلية بالبشر والحجر، يفتك "الموت الصامت" بمرضى الأمراض المزمنة، وعلى رأسهم مرضى السكري، الذين وجدوا أنفسهم محاصرين في جحيم نقص الأنسولين، وغياب الغذاء الصحي، وانهيار البنية التحتية الطبية، ليتحول مرضهم القابل للسيطرة إلى حكم مؤجل بالإعدام.

 

أرقام مفزعة: جيش من المرضى بلا علاج

 

تشير التقديرات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية ومنظمات دولية إلى واقع مرعب.

 

•  يبلغ عدد مرضى السكري في قطاع غزة حوالي 71,000 مريض مسجلين رسمياً.


•  تقديرات أخرى لمنظمات صحية تشير إلى أن العدد الحقيقي قد يصل إلى 200,000 مريض (بين مشخصين وغير مشخصين) نظراً لغياب الفحوصات الدورية.


•  من بين هؤلاء، يوجد ما لا يقل عن 2,500 طفل مصاب بالسكري من النوع الأول، يعتمدون كلياً على حقن الأنسولين للبقاء على قيد الحياة.


•  هؤلاء المرضى هم جزء من 350,000 مريض بأمراض مزمنة في القطاع حُرموا من الرعاية الصحية المنتظمة منذ بدء العدوان.


أزمة الأنسولين: حياة معلقة بـ "شعرة" التبريد

 

المعضلة الأكبر التي تواجه مرضى السكري في غزة ليست فقط في ندرة الدواء، بل في استحالة حفظه.


•  انقطاع الكهرباء والتبريد: يحتاج الأنسولين إلى حفظ دائم في درجات حرارة منخفضة (ثلاجات)، وهو ما أصبح مستحيلاً في ظل الانقطاع التام للكهرباء وتدمير شبكات الطاقة. يضطر الكثير من المرضى لاستخدام أنسولين تالف أو غير فعال، مما يعرضهم لغيبوبة سكر قاتلة.


•  شح الإمدادات: انخفضت كميات الأنسولين الواردة إلى القطاع بنسبة تتجاوز 80%، مما دفع الأطباء والمرضى لتقنين الجرعات (أخذ نصف الجرعة أو أقل) في محاولة يائسة لإطالة أمد المخزون، وهو إجراء انتحاري طبياً يؤدي لمضاعفات فورية.


المجاعة العلاجية: دواء بلا غذاء

 

مرض السكري لا يعتمد على الدواء فقط، بل يتطلب نظاماً غذائياً صارماً ومتوازناً، وهو ما أصبح "رفاهية" مستحيلة في غزة.

 

•  سوء التغذية القسري: يعتمد الغالبية العظمى من النازحين حالياً على المساعدات الغذائية التي تقتصر غالباً على المعلبات والنشويات (أرز، خبز)، وهي "سموم" بالنسبة لمريض السكري ترفع مستويات الجلوكوز بشكل جنوني.

 

•  المفاضلة القاتلة: يروي مرضى قصصاً مأساوية عن اضطرارهم للتوقف عن أخذ الأنسولين لأنهم لا يجدون طعاماً يأكلونه، خوفاً من الدخول في نوبة "هبوط سكر" حاد قد تقتلهم فوراً، فيختارون ارتفاع السكر (الموت البطيء) على الهبوط المفاجئ.

 

مضاعفات "بتر" المستقبل

 

نتيجة لهذا الوضع الكارثي، بدأت المستشفيات الميدانية المتهالكة ترصد ارتفاعاً مخيفاً في المضاعفات الخطيرة التي كانت نادرة الحدوث سابقاً:

 

•  بتر الأطراف: تزايدت حالات "القدم السكري" والغرغرينا نتيجة عدم تعقيم الجروح وغياب المضادات الحيوية، مما يضطر الأطباء لبتر الأطراف لإنقاذ حياة المريض.


•  الفشل الكلوي والعمى: يؤدي ارتفاع السكر المستمر وغير المنضبط إلى تدمير شبكية العين ووظائف الكلى، ليضيف أعباءً جديدة على نظام صحي منهار أصلاً.


ختاماً، إن ما يحدث لمرضى السكري في غزة ليس مجرد أزمة صحية عابرة، بل هو عملية "إبادة طبية" ممنهجة. الحصار الإسرائيلي لم يكتفِ بمنع الدواء، بل دمر البيئة الحاضنة للعلاج (كهرباء، غذاء، مستشفيات)، تاركاً آلاف المرضى يواجهون مصيراً مظلماً، حيث يصبح الموت راحة من عذاب يومي لا ينتهي.