في هذا المقال المؤلم، تسرد الصحفية شيماء الدرة تفاصيل أكثر من عامٍ من الحرب على غزة، من منظور أمٍّ وضعت مولودها في قلب الدمار.
ترجمت المقال سارة الخطيب، ونشره موقع "ميدل إيست آي"، حيث ترصد الكاتبة كيف تحوّلت لحظة الميلاد المنتظرة إلى صرخة حياة في قلب الجحيم، وتوثّق مشاهد النزوح والخوف والمعاناة اليومية لأم وطفلها في عالم لا يعرف سوى الحرب.
لم تبدأ هذه القصة اليوم، بل قبل عام كامل، في 19 مارس 2024.
كان عامًا من الخوف والجوع والخسارة والتشريد والدمار، والموت حاضر في كل زاوية.
لحظة كاد فيها صاروخ أن يصيب منزلهم، أدركت الكاتبة أنها لا تزال على قيد الحياة فقط لأن ماء ولادتها انفجر وسط الدخان ورائحة الدم.
لم تكن خائفة على نفسها، بل على جنينها الذي لم يرَ الشمس بعد.
كانت تتمنى استقبال طفلها بالفرح، لكنه وُلد على أصوات القصف وسقوط الصواريخ.
ورغم دعواتها للسلام قبل ولادته، جاءت ساعة الولادة وسط دمار شامل. أصبحت الأم بلا مأوى ولا معين، تلوذ فقط بركلات الجنين في بطنها لتستمد منها القوة على الاستمرار.
عندما قصفت طائرات الاحتلال منزلها وهي في شهرها السابع، تذكّرت كلمات الله لمريم: "فكلي واشربي وقري عينًا"، علّها تجد بعض السكينة في قلب العاصفة.
ثم جاء المخاض، وكانت تدعو فقط أن تخرج بسلام، أن تحيا لترى ابنها، أن تحتضنه ولو لمرة.
وُلد طفلها وسط القصف، في ليلة ممطرة باردة، تحت سماء مشتعلة، في مشهد أقرب إلى كابوس. رأت نساءً يلدن بجانب أمهات يحتضنّ أطفالهن القتلى. وأخيرًا وصلت عائلتها في الصباح، وشعرت لأول مرة أن الله استجاب دعاءها.
لكن السلام كان حُلمًا بعيدًا. قررت في تلك اللحظة أن تنجو هي وطفلها، مهما كلف الأمر. ومع ولادته بدأت معركة جديدة: كيف تطعمه؟ الأسواق عادت للعمل، لكن الأسعار لم تعد في متناول الناس. اللحوم والفاكهة والملابس أصبحت ترفًا.
طفلها وُلد لاجئًا، بلا مأوى، يهربون من مكان لآخر، يلاحقهم الموت. لم يعرف الصيف من الشتاء، لكنه عرف الألم مبكرًا. حرارة الصيف كانت لا تطاق، والبعوض ينهش جلده، والكلاب الضالة تعوي في الليل. وفي الشمال، التهمت جثث الشهداء.
ثم جاء البرد، فبكيا معًا. لم يكن لديهم ما يكفي من الملابس، شاركوا بعضها في الخيم. كانت تقبّله كل ليلة وكأنها الأخيرة، خوفًا على حياته أكثر من حياتها. تحوّل فرح الولادة إلى عبء ثقيل على صدرها.
وعندما أتم عامًا من عمره، تمنت له السلام، لكنها كانت تعلم أنها لا تملك أن تهبه إياه. الغرفة التي أعدّوها له، والسرير الآمن، والمنزل الدافئ، كلها أصبحت من الماضي. وُلِد في المنفى، بلا بيت، بلا وطن، يعرف الحرب فقط.
وفي ختام رسالتها لطفلها، قالت: "يا صغيري، يا من وُلدت من الحب وفي قلب الحرب، أدعو أن تكون سنواتك القادمة مليئة بالسلام والرحمة والأمان. يا معجزتي وسط اليأس، ويا أملي في أيامٍ مضطربة، كن دائمًا قوتي، يا ملاكي الصغير".
https://www.middleeasteye.net/opinion/war-gaza-my-son-was-born-world-fire