أخبار النافذة

تراث

الحرية فى فكر الإمام حسن البنا

مدخل: مفهوم الحرية



الحرية ( Freedom): مفهوم سياسى واقتصادى وفلسفى وأخلاقى عام ، وذو مدلولات متعددة ومتشعبة ، الحرية تعنى قدرة الإنسان على فعل الشيء أوتركه بإرادته الذاتية ، وهي ملكة خاصة يتمتع بها كل إنسان عاقل ويصدر بها أفعاله بعيداً عن سيطرة الآخرين،لأنه ليس مملوكاً لأحد إلا الله ، وهو محاسب على تصرفاته وعلى ما يرتكبه من أخطائه ، وهذه هى الحرية المسئولة .

والحرية تشمل النشاط الإنساني في الاختيار والتفكير والنقد والمعارضة والتقييم في اختيارالدين السياسة والثقافة والاقتصاد.

والحرية لها مدلول فى كل تخصص ،فالحرية فى اللغة تعنى انعدام القيود القمعية ، بل تعنى الصفة التى تعطى لبعض الأفعال البشرية التى يقوم بها الإنسان بدون ضغط أو إكراه كما أنها نقيض العبودية والتبعية ، ولذا فالحرية ترتبط بالمسئولية عن الفعل ، والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل ما يترتب عليه .

أما الحرية فى الإعلام تعنى نقل الحقيقة والتعبير عن الآراء بحرية فى إطار القانون ، والحرية التى ينبغى أن تؤمن لكل مواطن ، هى حرية التعبير ، وتشمل الكلام والكتابة والصحافة والنشر ، وما يقوم مقامها من وسائل التعبير ..(1)

والحرية فى هذا المستوى لا تعبر مجرد صفة تميز الأفعال عن غيرها ، بل ترتفع إلى مستوى الواجبات والقيم . حرية العبادة أو العقيدة ، وهى حق الأفراد فى اعتناق العقيدة أو الدين الذى يؤمنون به ثم حرية التحررمن الخوف .ولا يشعر بأى ضغط يقع عليه من أى نوع يعوق حركته أو فكره و يجعله يتصرف ويفكرعلى غير إرادته.

وقد جعل الإسلام "الحرية" حقاً من الحقوق الطبيعية للإنسان، فلا قيمة لحياة الإنسان بدون الحرية، وحين يفقد المرء حريته ، فإنه غير مسئول شرعا على ما أجبر عليه ،وكما دعا الإسلام إلى تحرير الإنسان من العبودية ، فإنه دعا كذلك إلى تحرير الأوطان من الاحتلال .

وحرية الانسان لاتعنى الانسلاخ من التعاليم الدينية ،بل المحافظة عليها وممارسة الحرية فى إطارها ، ويريفع بالإنسان أن تستهويه نفسه ممارسة حريته الشخصية بمخالفة تعاليم الإسلام بإحياء الوازع الدينى المتمثل فى مراقبة الله له على أعماله والمحاسبة عليها فى الآخرة ، والإنسان ليس حرا فى إلحاق الضرر بالنفس أو بالغيره ، فليست الحرية مطلقة ، بل مقيدة بضوبط ، وتتمثل في :

  • أ- أن تراعى الحرية تعاليم الدين وما تعرف عليه المجتمع .
  • ب- ألا تؤدي حرية الفرد أو الجماعة إلى تهديد سلامة الدولة وتقويض أركانها.
  • ج - ألا تفوت حقوقاً أعظم منها،وذلك بالنظر إلى قيمتها في ذاتها ورتبتها ونتائجها.
  • دـ ألا تؤدي حريته إلى الإضرار بحرية الآخرين .

وبهذه القيود والضوابط ندرك أن الإسلام لم يقر الحرية لفرد على حساب الجماعة ،كما لم يثبتها للجماعة على حساب الفرد ،ولكنه وازن بينهما ،فأعطى كلاً منهما حقه. وأكد الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، أن الحرية فى الإسلام تنطلق من المحتوى الحقيقى للإنسان، فهى تجمع بين المادة والروح ولا تنحاز لجانب على حساب الآخر، مما جعل الحرية منضبطة وغير مصادرة لحساب جهة على الأخرى ..(2)

 

أهمية الحرية عند الإمام البنا

1- الحرية فريضة عند الإمام البنا

الحرية عند الإمام حسن البنا جزء أساسي من دعوته ، لا يمكن أن يساوم عليها ، وكم من تضحيات بذلها الإخوان فى سبيل الحرية ..!.
وهم ينطلقوا فى دعوتهم إلى الحرية من خلال الحرية فى المنهج الإسلامى ، ويعتبر الحرية من فرائض الإسلام ، فالمسلم لا يمكن أن يعبد الله بحق ، وهو فاقد حريته ذليل ، يقول الأستاذ البنا فى آخر (رسالة بين الأمس واليوم) : "إذا قيل لكم - أيها الإخوان- إلامَ تدعون ؟! ، فقولوا: ندعو إلى الإسلام، والحكومة جزءٌ منه، والحرية فريضةٌ من فرائضه ، فإذا قيل لكم هذه سياسة!! فقولوا: هذا هو الإسلام ، ولا نعرف نحن هذه الأقسام" ..(3)

2- حرية العقيدة

حرية العقيدة من الحريات الشخصية التى كفلها الإسلام للجميع ، يقول الإمام البنا فى ذلك:".. يظن الناس أن التمسك بالإسلام وجعله أساساً لنظام الحياة ينافى وجود أقليات غير مسلمة فى الأمة المسلمة وينافى الوحدة بين عناصر الأمة،وهى دعامة قوية من دعائم النهوض فى هذا العصر ...وقد اشتمل النص الصريح الذى لا يحتمل لبس فى حماية الأقليات ، وهل يريد أصرح من هذا النص : " لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " (سورة الممتحنة : 8ـ 9)
فهذا النص لم يشمل على الحماية فقط بل أوصى بالبر والإحسان إليهم ، وإن الإسلام الذى قدس الوحدة الإنسانية العامة فى قوله تعالى : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " ( الحجرات:13) ... هذا الإسلام الذى بُنى على هذا المزاج المعتدل والإنصاف البالغ لا يمكن أن يكون أتباعه سبباً فى تمزيق وحدة متصلة، بل بالعكس إنه أكسب هذه الوحدة صفة القداسة الدينية بعد أن كانت تستمد قوتها من نص مدني فقط " ..(4)

3- حرية الوطن من الاحتلال الأجنبى

وشغلت قضية تحرير الوطن من الاحتلال الإنجليزى أهمية كبيرة عند الإمام البنا فى كتاباته عن الحرية ، فقد تناولها فى مواضع متنوعة عند حديثه عن الحرية .وحرية الوطن وتحريره من الاحتلال من أهم غايات الإخوان كما يقول الإمام البنا أن الإخوان لهم هدفان : أن يتحرر الوطن الإسلامى من كل سلطان أجنبى،وأن تقوم فى هذا الوطن الإسلامى الحر دولة إسلامية حرة ..(5)
وفى موضع آخر يشير إلى أن حقوقنا الوطنية معروفة أعلنتها الأمة بكل وضوح ، وهى : جلاء القوات الأجنبية عنه جميعا ، لتتم بذلك حقيقة حريته واستقلاله ..(6)
وهو يحارب هذه اللصوصية الدولية التى يسمونها الاستعمار بكل ما فيه من قوة ." ..(7) ، ويتحدث عن العزة فى الإسلام ثم يخلص إلى القول : ويوم قرر الإسلام هذا ، قررالطريق العملى لحماية هذه الحرية ، فافترض الجهاد بالنفس والمال .
ثم يقول مشيرا إلى ضرورة التحررمن الاحتلال: فالشعب على أتم استعداد للبذل ، ولكن فى طريق واضحة مرسومة تؤديه إلى الحرية أو الشهادة ..(8)
فيقول : نحن أمام كل هذه الأوضاع العالمية الجديدة ، وأمام تشابه قضايانا وتشابكها ، فهى كلها قضية واحدة معناها استكمال الحرية والاستقلال وتكسير قيود الاستغلال والاستعمار ..(9)
وفى (رسالة دعوتنا) تحت عنوان : (وطنية الحنين والعزة) يتحدث عن دعاة الوطنية ،فيقول : "وإن كانوا يرلايدون أن من الواجب العمل بكل جهد فى تحرير البلد من الغاصبين وتوفير استقلاله له،وغرس مبادىء العزة والحرية فى نفوس أبنائه منحن معهم أيضا .." ..(10)
ويوضح الإمام البنا أن من حق أى إنسان أن يدافع عن حريته واستخدام الوسائل المتاحة له فى الدفاع عن حريته ضد من يحاول سلبها منه ، فكذلك الدول ، فإن حق الدفاع عن الوطن واجب على أبناء البلد التى يحاول الاحتلال اغتصابها والاعتداء على حرية الشعب ، ولذا شرع الإسلام الجهاد بالنفس والمال إذا داهم العدو البلاد ..(11)

4- الحرية تعنى العزة ورفض الذل والظلم

إن قضية الحرية بمفهومها العام تشغل مساحة واسعة فى كتابات الإمام البنا ، وتعتبر من القضايا الرئيسة فى فكره ، فالإيمان بالعزة والحرية يجعل الإنسان يسعى لاستكمال أسبابها العقيدة الصحيحة والوحدانية لله تعنى تحرره من سلطة البشر جميعا ، فمن يخاف من الله لا يخاف من بطش ظالم مهما كان جبروته ، فيمارس حرية ويجهر بالحق مهما كلفه الثمن ، ويحرص الإمام حسن البنا على تأصيل فكره عن الحرية فيأتى به مصحوبا بالدليل من القرآن أو السنة ،وفى قصص الأنبياء ومحاربتهم كل ما يعبد من غير الله هو تحرير للإنسان من سلطان البشر عليه .
وفى تناول الإمام البنا للآيات القرآنية التى تتحدث عن نبى الله موسى وفرعون وشعب بنى إسرائيل ، يشيرإلى أن الله أراد تحرير بنى إسرائيل من استعباد فرعون لهم ، فكان أول شعاع الحرية إشراق شمس زعيمه موسى عليه السلام ..(12)
وفى حديثه عن الحرية بصفة عامة ، يقول : والإسلام الحنيف يعلن الحرية ويزكيها ويقررها للأفراد والأمم والجماعات بأفضل معانيها ، ويدعوهم إلى الاعتزاز بها والمحافظة عليها ، ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (من أعطى الذلة من نفسه طائعا غير مكره فليس منى) ..(13)
والحرية من الدعائم العشر التى حددها الإمام البنا : (الله غايتنا ، والرسول قدوتنا ، والقرآن طريقتنا، والآخرة عقيدتنا ،والجهاد وسيلتنا ،والحرية أمنيتنا ...) ، وفى مقدمة المنجيات العشر التى حددها الإمام البنا : (الحرية ...) ..(14)
وفى رسالة ( بين الأمس واليوم )يتحدث الإمام البنا عن رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيقول : " وأصول الإصلاح الاجتماعى الكامل الذى جاء به (الرسول صلى الله عليه وسلم ) تكاد تنحصر فى هذه الأصول : ... تأمين المجتمع بقرير حق الحياة والملك والعمل والصحة والحرية والعلم والأمن لكل فرد وتحديد موارد الكسب ...." ..(15)

5- الحرية منضبطة فى إطار القانون

وإذا كان الرأى فى الأمور التى تتعلق بشئون الحكم لا يمكن أن يتفق عليها الجميع ، فإنه لابد من ضابط ومرجعية وقانون عام يحترمه الجميع للأخذ برأى من الآراء دون الأخرى ، وآلية هذا الاختيار لابد أن تكون معروفة لدى الجميع ، وقد وضعت قوانين منظمة للعملية الانتخابية ، ويتم اختيار الرأى فى " الاستفتاء العام " أوالعضو الذى يمثل الشعب بالأغلبية النسبية ،ويعتبرذلك أهم مرحلة فى العملية الديمقراطية .
وهناك فرق كبير بين ممارسة الحرية دون قيد ، وهذا ما يعرف بالحرية المطلقة ، وهى مرفوضة من الجميع ،لأنها تدفع إلى الفوضى ، أما الحرية فى فكر الإمام البنا فهى منضبطة لا تعنى الخروج على القانون ،بل تدور فى فلكه ولا تخرج عليه ،ويكون المواطنون سواء أمام القانون ، يقول الإمام البنا واصفا ما يحدث فى عصره من انعدام العدال والمساواة تحت عنوان :)هيبة القانون) :" ولا شك أن سلطان القانون قد تزعزع وفقد معظم احترامه كذلك ، بسبب هذه الاستثناءات والمحسوبيات والحيل المتكررة ، والاعتداء أحياناً بنسخ القانون لغرض شخصي .. ولو أن هذا النسخ بقانون في ظاهر الأمر , ولكن الدوافع تكون معروفة دائماً ولا تخفي على أحد ، فيعمل ذلك عمله في النفوس وينال من هيبة القانون واحترام النظام . " ..(16)

 

الحرية السياسية عند الإمام البنا

1- متطلبات الحرية السياسية

الحرية السياسية تعنى حق الشعب فى إدارة شئون الدولة بداية من المواطن الذى يمارس دوره فى إدارة البلاد عن طريق اختيار من يمثله وينوب عنه لدى مؤسسات الدولة ، ويمارس الشعب سلطاته عن طريق نوابه الذين اختارهم بانتخابات حرة ونزيهة .
وللحرية متطلبات لتحقيقها ،فغذا كانت حرية التعبير تتطلب الشعور بالأمن وعد الوقوع تحت أى ضغط يؤثر على حرية الرأى ، فإن الحرية السياسية لها متطلبات لتحقيقها ،ومن أهمها فى رأى الإمام البنا :" إصلاح قانون الانتخابات ، ومن وجوه هذا الإصلاح :
1- وضع صفات خاصة للمرشحين أنفسهم ، فإذاكانوا ممثلين هيئات فلابدأن يكون لذه الهيئات برامج واضحة وأغراض مفصلة يتقدم على أساسها هذا المرشح، وإذا لم يكونوا ممثلين لهيئات فلا بد أن يكون لهم من الصفات والمناهج الاصلاحية ما يؤهلهم للتقدم للنيابة عن الأمة ، وهذا المعنى مرتبط إلى حد كبير بإصلاح الأحزاب في مصر ، وما يجب أن يكون عليه أمر الهيئات السياسية فيها.
2- وضع حدود للدعاية الانتخابية وفرض عقوبات على من يخالف هذه الحدود ، بحيث لا تتناول الأسر ولا البيوت ولا المعاني الشخصية البحتة التي لا دخل لها في أهلية المرشح وإنما تدور حول المناهج والخطط الإصلاحية
3- إصلاح جداول الانتخابات وتعميم نظام تحقيق الشخصية ، فقد أصبح أمر جداول الانتخابات أمرا عجيبا بعد أن لعبت بها الأهواء الحزبية والأغراض الحكومية طول هذه الفترات المتعاقبة ، وفرض التصويت إجباريا .
4- وضع عقوبة قاسية للتزوير من أى نوع وللرشوة الانتخابية كذلك .
5- وإذا عدل إلى الانتخابات بالقائمة لا الانتخاب الفردى كان ذلك أولى وأفضل ،حتى يتحرر النواب من ضغط ناخبيهم وتحل المصالح العامة محل المصالح الشخصية فى تقدير النواب والاتصال بهم .وعلى أية حال فإن أبواب الإصلاح والتعديل كثيرة ،وإذا صدق العزم وضح السبيل ، والخطأ كل الخطأ فى البقاء على هذا الحال والرضا به والانصراف عن محاولة الإصلاح . " ..(17)

2- الحرية السياسية للمواطنين

وفى (رسالة نظام الحكم) يؤصل الإمام البنا لحرية الرأى (الحرية السياسية) بالأحاديث والآيات القرآنية ، فبعد قوله عن الأخوة وأنها من الإيمان ، يقول : ولا يمنع من ذلك حرية الرأى وبذل النصيحة من الصغير والكبير كذلك ، وهو المعبر عنه فى عرف الإسلام ببذل النصيحة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الدين النصيحة) ،قالوا لمن يارسول الله ؟ قال: (لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم) وقال : (إذا رأت أمتى تهاب أن تقول للظالم : يا ظالم ، فقد تودع منها) ،وفى رواية :(وبطن الأرض خير لهم من ظهرها وقال : سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل قام إلى إمام فأمره ونهاه فقتله) ..(18)
وهذا الأمربالنسبة لحرية التعبير فى الأمور السياسية وتقديم المقترحات المسئولين ، أما بالنسبة للحرية السياسية فى اختيارالشعب من يمثله فى المجالس النيابية.
فقد اقترح الإمام البنا وسائل ـ كما سبق ـ لإصلاح الحياة السياسية و البعد عن الوقوع تحت أى ضغط يحمله غيررغبته حتى يتمكن المواطن من ممارسة حريته السياسية دون قيود أوأن يستغل المرشحون حاجة الناس فيقدمون الرشاوى الانتخابية للحصول على الأصوات ،أو يخدع المرشحون الناس بالوعود والأمانى البعيدة ، أو يؤثرون بالضغط عليهم فى اختيارهم من يمثلهم بحرية .
ومن جهة أخرى ، فإنه اقترح أن تكون الانتخابات بالقائمة لا الانتخاب الفردى حتى يتحررالنواب من ضغط ناخبيهم ، وتحل المصالح العامة محل المصالح الشخصية فى تقدير النواب والاتصال بهم .

3- حرية الشعب فى ممارسة سلطاته السياسة

ويؤكد الإمام البنا أن من حق الشعب احترام رأيه فى الاختيار ويرى وجوب تعبير الشعب عن رأيه ، وواجب على الحاكم أن يسير بناء على رأي شعبه ، ولا يستبد بالأمر دونهم ، فيقول :" ومن حق الأمة الإسلامية أن تراقب الحاكم أدق المراقبة ، وأن تشير عليه بما ترى فيه من الخير ، وعليه أن يشاورها وأن يحترم إرادتها ، وأن يأخذ بالصالح من آرائها ، وقد أمر الله الحاكمين بذلك ، فقال : "وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ" (آل عمران :من الآية 159) ، وأثنى به على المؤمنين خيرا ، فقال : " وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ" (الشورى : من الآية 38).
ويعتبرالإمام البنا من دعائم الحكم الإسلامى "مسئولية الحاكم ووحدة الأمة واحترام إرادتها ولا عبرة بعد ذلك بالأسماء ولا الأشكال ".
ويستشهد من سنة رسول الله والخلفاء الراشدين على مشاورتهم لأهل الرأى من المسلمين ، ونزولهم عند الصواب من آرائهم ..(19)
وأما طريقة معرفة رأى الشعب ومشاركته فى الحكم ، فإنه يشير إلى أن احترام رأى الأمة ووجوب تمثيلها فى الحكم إشراكا صحيحا ، فإن الإسلام لم يشترط استبانة رأيها فى كل نازلة ، وهو المعبر عنه فى الاصطلاح الحديث " بالاستفتاء العام " ، ولكنه اكتفى فى الأحوال العادية " بأهل الحل والعقد " ولم يعينهم بأسمائهم ولا أشخاصهم، والظاهر من أقوال الفقهاء ووصفهم إياهم أن هذا الوصف ينطبق على ثلاث فئات هم :
1- الفقهاء المجتهدون الذين يعتمد على أقوالهم في الفتيا واستنباط الأحكام .
2- وأهل الخبرة في الشؤون العامة .
3- ومن لهم نوع قيادة أو رئاسة في الناس كزعماء البيوت والأسر وشيوخ القبائل ورؤوساء المجموعات .
فهؤلاء جميعاً يصح أن تشملهم عبارة "أهل الحل والعقد" .
ولقد رتب النظام النيابى الوصول "أهل الحل و العقد " بما وضع الفقهاء الدستوريين من نظام الانتخاب وطرائقه المختلفة ، والإسلام لا يأبى (يرفض ) هذا التنظيم ما دام يؤدى إلى اختيار(أهل الحل والعقد) ، وذلك ميسورا إذا لوحظ فى أى نظام من نظام الانتخابا تحدي صفات أهل الحل والعقد، وعدم السماح لغيرهم بالتقدم للنيابة عن الأمة ..(20)
ويشير الإمام البنا إلى أن الحاكم فى الفكر الإسلامى من واجباته أن يشارك الأمة (الشعب) فى القرارات التى تمس الدولة ، والتى يترتب أثرها على الشعب ، وألا يستبد برأيه دون الشعب موضحا أسس تلك السياسة فى حكم الراشدين ، ، بقوله: " ونصت على ذاك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين المهدين من بعدهم .. إذا جاءهم , أمر جمعوا أهل الرأي من المسلمين واستشاروهم ونزلوا عند الصواب من آرائهم ، بل أنهم ليندبونهم إلى ذلك ويحثونهم عليه . فيقول أبو بكر رضى الله عنه : (فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني أو قوموني) ويقول عمر بن الخطاب: (من رأى فيّ اعوجاجاً فليقومه) .
والنظام الإسلامي في هذا لا يعنيه الأشكال ولا الأسماء متى تحققت هذه القواعد الأساسية التي لا يكون الحكم صالحاً بدونها , ومتى طبقت تطبيقاً يحفظ التوازن ولا يجعل بعضها يطغى على بعض,ولا يمكن أن يحفظ هذا التوازن بغير الوجدان الحي والشعور الحقيقي بقدسية هذه التعاليم ، وإن في المحافظة عليها وصيانتها الفوز في الدنيا والنجاة في الآخرة ، وهو ما يعبرون عنه فالاصطلاح الحديث بالوعي القومي (أو) النضج السياسي (أو) التربية الوطنية أو نحو هذه الألفاظ ، ومردها جميعاً إلى حقيقة واحدة هي اعتقاد صلاحية النظام ، والشعور بفائدة المحافظة عليه … إذ أن النصوص وحداها لا تنهض بأمة كاملة كما لا ينفع القانون إذا لم يطبقه قاضٍ عادل نزيه .
ونحن في حياتنا العصرية قد نقلنا من أوربا هذا النظام النيابي الذي تعيش في ظله حكوماتنا الآن , ووضعنا دستورنا على أساسه ، وتغيير هذا الدستور مرة باسمه كذلك ، وجربنا الكثير من آثاره ، فإلى أي مدى ينطبق هذا النظام على الإسلام ؟ وإلى أي مدى كانت فائدتنا منه طوال هذه المدة ؟ ..(21)
وفقد الأمة لحريتها عن طريق تزويرإرادتها السياسية فى حقها فى اختيار نوابها بطريقة صحيحة ، بالتالى يكون النواب غير ممثلين تمثيلا صحيحا عن الأمة .فإذا شاب العملية الانتخابية ما يؤدى إلى بطلانها ، فإن نتيجة الانتخابات لا تعبر عن رأى الشعب .
وعندما يتوفر للشعب الضمان لانتخابات حرة ونزيهة ،فإن من يختاره الشعب إنما هو يمارسه دوره نيابة عن الشعب فى التشريع ومراقبة أداء الحكومة ورعاية مصالح الشعب ، وبذلك يمارس الشعب حرية ، ويكون بحق مصدر السلطات .

4- الحرية بين الحاكم والشعب

إن الحرية لها واجبات على الحاكم والشعب ، فطالما اختارأغلبية الشعب رئيسه بحرية وانتخابات نزيهة ، فقد وجب على الجميع سواء من اختاره ومن لم يختاره أن يحترمه ،وأن يقدم النصيحة له ويعاونه الجميع على إدارة البلاد ، ولا ينتهز معارضوه الفرص للانقضاض على حكمه وإثارة القلاقل والفتن حتى يبدو حكمه مضطربا ، فليست هذه حرية رأى ، بل استبداد الأقلية من الشعب برأيها ومحاولة حمل الجميع عليه.
إن ممارسة الأقلية لحقها فى التعبير عن الرأى يتمثل فى الرقابة على أداء المؤسسات ، وإبداء رأيها بالأساليب القانونية دون اتهاد بدون دليل أو تجريح ليس له مبرر.
ولا يعنى ذلك أن يستبد رئيس الدولة بالأمور دون الشعب ، بل من حق الشعب المشاركة فى الحكم، فالحاكم لا يستمد شرعيته إلا من الشعب مصدر السلطات .
ويوضح الإمام البنا ذلك بقوله: " وقد قرر الإسلام سلطة الأمة وأكدها ، وأوصى بأن يكون المسلم مشرفا تمام الإشراف على تصرفات حكومته يقدم لها النصح والمعونة ويناقشها الحساب وهو كما فرض على الحاكم أن يعمل لمصلحة المحكومين لإحقاق الحق وإبطال الباطل فرض على المحكومين كذلك أن يسمعوا ويطيعوا للحاكم ماكان كذلك ،فإذا انحرف فقد وجب عليهم ان يقيموه على الحق ويلزموه حدود القانون ويعيدوه إلى نصاب العدالة . هذه تعاليم كلها من كتاب الله تبارك وتعالى ومن أحداديث رسوله لم نتقولها ولم نخترعها . " ..(22)

 

الحرية فى الدول الغربية فى رأى الإمام البنا

ومن الغريب أن نجد من يتحدث عن الحرية من منطلق حقوق الإنسان وفقا لما تضمنته المنظمات الدولية ، ويعيب على من يطالبون بالحرية من خلال الإسلام ، لذلك نجد الإمام البنا يوضح أن تلك الحرية مؤقتة لا استمرار لها ، ويشتشهد بما حدث فى أوربا من حروب بنيت على أساس نظريات المفكرين ، فيقول :" سادت العالم حينا من الدهر لم يكن هذه النظم الديمقراطية وانطلقت الحناجر فى كل مكان تسبح وتقدس بماجاء به هذا النظام الديمقراطى من حرية للأفراد والشعوب على السواء ومن إنصاف للعقل الإنسانى بحرية التفكير ، وللنفس الإنسانية بحرية العمل والإرادة ، وللشعوب بأن تكون مصدر السلطات ، وجاء النصر فى الحرب العالمية الأولى معززا لهذه الأفكار متوجا إياها بأكاليل الغار.

ثم لم يلبث الناس أن تبينوا أن حريتها الاجتماعية لم تسلم من الفوضى ، وأن حريتها الفردية لم تأخذ الحيطة من الإباحية وأن سلطة الشعوب لم تبرىء المجتمع من كثير من الدكتاتوريات المستورة التى تضيع معها التبعات ولا تحدد فيها الاختصاصات .. إلى غير ذلك من المثالب والعيوب التى أدت إلى تفكك الأمم والشعوب وتخلخل نظام الجماعات والبيوت ، ومهدت لقيام النظم الديكتاتورية ، فقامت النازية فى ألمانيا والفاشية فى إيطاليا وأخذ كل من موسولينى وهتلر بيد شعبه إلى الوحدة والنظام والنهوض والقوة والمجد وسرعان ما خطا هذا النظام بهاتين الأمتين إلى مدارج الصلاح فى الداخل والقوة والهيبة فى الخارج وبعث فى النفوس الآمال الخالدة ،وأحيا الهمم والعزائم الراكدة وجمع كلمة المختلفين المتفرقين على نظام وإمام ، وأصبح (الفهوهرر) أو (الدوتشى) ، إذا تكلم أحدهما أو خطب تفزعت الأفلاك والتفت الدهر ثم ماذا ؟ ثم تكشف الأمر عن هذا الجهاز القوى المتماسك الذى فنيت فيه إرادات الأفراد فى إرادات الزعماء أخطأ حين أخطؤوا فطغى بطغيانهم وانحرف بانحرافهم ، وهوى بسقوطهم وانتهت كل شىء ، وأصبح حصيدا كأن م يغنوا بالأمس بعد أن بذل العالم فى حربه الثانية الملايين من زهرة الشباب والقناطير المقنطرة من الأموال والعتاد " ..(23)

وأخيرا ، فإن الإمام البنا انطلق فى فكره الحرية عن الحرية من منطلق إسلامى ، وربطها بما استحدث فى عصره من النظم النيابة والدستورية التى تعبر سادت الدولة الحديثة فى التعبير عن الحرية الشخصية والسياسية .

 

المراجع

(1) د. عبد الوهاب الكيالي : موسوعة السياسة جـ 2 ص242.

(2) جريدة اليوم السابع 7 أبريل 2011 تحت عنوان : "الطيب": الحرية فى الإسلام لا تنحاز لجانب على حساب الآخر".

(3) رسائل الإمام الشهيد حسن البنا ، ص529.

(4) مجلة النذير ، العدد ( 36) ، السنة الثانية 17 من رمضان 1358هـ / 31 من أكتوبر 1939 ، (رسالة نحو النور) ص 3ـ 18 ، وقد جمعت فى رسائل الإمام البنا : نحو النور ـ موقف الإسلام من الأقليات والأجانب ، ص169 ـ 170.

(5) السابق ص 525ـ 526.

(6) جريدة الإخوان المسلمين اليومية  : العدد(475)، السنة الثانية ، 6من محرم 1367هـ / 19 من نوفمبر 1947 ، ص1ـ 5. وراجع : رسائل الإمام البنا ص645 ،طبعة البصائر للدراسات والبحوث .

(7) جريدة الإخوان المسلمين اليومية: العدد(475)، السنة الثانية ، 6من محرم 1367هـ / 19 من نوفمبر 1947 ، ص1ـ 5. وراجع : رسائل الإمام البنا ص645 ،طبعة البصائر للدراسات والبحوث .

(8) جريدة الإخوان المسلمين اليومية: العدد(475)، السنة الثانية ، 6من محرم 1367هـ / 19من نوفمبر 1947 ، ص1ـ 5. وراجع : رسائل الإمام البنا ص645، طبعة البصائر للدراسات والبحوث..

(9) جريدة الإخوان المسلمين اليومية : العدد(476)، السنة الثانية ، 7من محرم 1367هـ / 20من نوفمبر 1947 ، ص1ـ 5 ،بعنوان ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد. وراجع : رسائل الإمام البنا ص645 طبعة البصائر للدراسات والبحوث .

(10) مجلة الإخوان المسلمون : العدد(4)، السنة الثالثة ، 4 من صفر 1354هـ / 7 من مايو 1934 ، ص 3ـ7،19.

(11) جريدة الإخوان المسلمين اليومية: العدد(475)، السنة الثانية ، 6 من محرم 1367هـ / 19 من نوفمبر 1947 ، ص1ـ 5. وراجع : رسائل الإمام البنا ص646 ،طبعة البصائر للدراسات والبحوث .

(12) مجلة الإخوان المسلمون : العدد (10)، السنة الثانية ، 30 من ربيع الأول 1353هـ / 13 من يوليو 1934 ، ص 3ـ7 ، بعنوان (رسالة إلى أي شىء ندعو الناس) .

(13) جريدة الإخوان المسلمين اليومية: العدد(475)، السنة الثانية ، 6 من محرم 1367هـ / 19 من نوفمبر 1947 ، ص1ـ 5. وراجع : رسائل الإمام البنا ص645 ،طبعة البصائر للدراسات والبحوث .

(14) رسائل الإمام البنا ص546 ، طبعة البصائر للدراسات والبحوث .

(15) رسائل الإمام البنا ، طبعة مركز البصائر ،ص510ـ511.

(16) رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي . ص671.

(17) جريدة الإخوان المسلمين اليومية : العدد (482) السنة الثانية ، 14من المحرم 1367هـ / 27 من نوفمبر 1947م، ص 1. وجمعت فى رسائل الإمام البنا، طبعة البصائر للبحوث والدراسات ص 666ـ667.

(18) جريدة الإخوان المسلمين اليومية : العدد (479) السنة الثانية ، 11 من المحرم 1367هـ / 24 من نوفمبر 1947م، ص 1. وجمعت فى رسائل الإمام البنا ، طبعة البصائر للبحوث والدراسات ص 653ـ655.

(19) جريدة الإخوان المسلمين اليومية : العدد (479) السنة الثانية ، 11 من المحرم 1367هـ / 24 من نوفمبر 1947م، ص 1. وجمعت فى رسائل الإمام البنا ، طبعة البصائر للبحوث والدراسات ص 653ـ655.

(20) جريدة الإخوان المسلمين اليومية : العدد (482) السنة الثانية ، 14من المحرم 1367هـ / 27 من نوفمبر 1947م، ص 1. وجمعت فى رسائل الإمام البنا ، طبعة البصائر للبحوث والدراسات ص 666ـ667.

(21) جريدة الإخوان المسلمين اليومية : العدد (479) السنة الثانية ، 11من المحرم 1367هـ / 24 من نوفمبر 1947م، ص 1. وجمعت فى رسائل الإمام البنا ، طبعة البصائر للبحوث والدراسات ص 655 ـ 656.

(22) رسائل الإمام البنا : رسالة مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين عام 1937م ص 234.

(23) مجلة الشهاب : العدد (2) السنة الأولى ،1 من صفر 1367هـ / 14من ديسمبر 1947م، ص 37ـ32. وجمعت فى رسائل الإمام البنا ، طبعة البصائر للبحوث والدراسات ص 673ـ676 .

 

نقلا عن: إخوان ويكي

التعليقات / عدد التعليقات (0)

ضع تعليقك

  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة