أخبار النافذة

مقالات

ثورة يناير .. الثورة على الثورة

بقلم: محمود جاد

ثورة في بدايتها اتفق عليها الجميع حتى ألد أعدائها ، اختلفت النوايا آنذاك ، لكن ظلت الوجوه والألسنة تمجد فيها ، وتسخدمها كمطية لمآرب أخرى ، ظل الجميع ينادونها الثورة المجيدة ، لكن سرعان ماوقع الكثير  في فخ أكلت يوم أكل الثور الأبيض .

حتى وإن أكد البعض أنها كانت مُرتبه إلا أن أحداثها وتوابعها خرجت عن سيطرة الجميع وسارت بقدر الله ، الحقيقة أن الرجوع إلى أحداث الثورة ينبغي أن يكون للتقدم إلى المستقبل لا أن تصنع حسينات شيعية فيتباكى من يتباكى، ويتلاوم من يتلاوم، الرجوع إلى ذكرها يكون باستخلاص الدروس منها ورسم المستقبل من أحداثها .

ثورة يناير كانت ثورة على الثورة نفسها ، فالحقيقة أن توابعها كانت أعظم من أحداثها ، حتى ولو أطلق البعض عليها إحتجاجا أو مسارا ثوريا ، أوغير ذلك من الأوصاف ، فأعظم مكسب ودرس  أن مجموع الشعب لم يعد يتداول  في أحاديث السمر " ربنا يكون في عون الحكومة هتعمل إيه ولا إيه " بل أصبح المتداول " أن الحكومة فاشلة ولازم تعمل وتعمل " و" ولو مش قادر مايشلش "، فلم تَكن  هذه المصطلحات وغيرها تجد في عقول المجموع من الشعب سبيلا ، بل كان إزدحام التفكير لدى عقولهم هو إيجاد سبب يعذر الحكومة ورئيسها عن التقصير ، بل زادت على ذلك أن كسرت فكرة أبوية السلطة وأن الحاكم أبا للجميع ، بل أصبح مترسخا في الأذهان أن الحاكم موظف ملزم بتحقيق الرفاهية للشعوب ،  والسخرية من أفعاله وكلامه إذا خالفت المنطق والمألوف .

توابع هذه الثورة هي ثورة على الثورة نفسها سواء كانت ارتدادا على مبادئها" عيش حرية عدالة اجتماعية" بالمطالبة بالأمن والأمان  "فقط يكفي أن أغلق علي داري وأنا في أمان حتى ولو كنت جوعان" ،  أو الصدمة التي كشفت  الشعب أمام جميع القوى السياسية وكشفت القوى السياسية أمام الشعب ،

إن  إرتداد الوعي الشعبي إلى مبادئ الثورة ، والإقتناع أن العيش بحرية  مع عدالة إجتماعية يتحقق من خلالها  السلم المجتمعي ، فيتحقق إزدهار الأمة ونهضتها ، هو ثورة على الثورة ، لم يعد لدى الأغلبية قناعة أن الوطن هو مجموعة من العساكر اتحدوا مع بعضهم وادعوا أنهم هم الوطن وبدونهم فإن الأمة بلا وطن ، بل أصبح الإنسان هو الوطن ،وهو الحامي الأول للوطن ، فالنماذج العسكرية  المحيطة حينما غزاها الأجنبي تبخرت ولم يبقى إلا الإنسان هو المدافع الأول عن الوطن ، لأنه هو الوطن .

الفرق بين ماقبل ثورة التصحيح ثورة 25 يناير ومابعدها أن الإنسان تغير وبدأ البحث عن حقه ولم تعد عدم تحقيق مطالبه بالرفاه شيئًا من المزحه بل أصبح الجديَّة بتمامها  ، وأصبح رأس الدولة مُطالبا بتحقيق ذلك ، لم يعد رأس هرم السلطة أبًا للجميع ، بل عاد لوضعه الطبيعي في أذهان الشعب أنه خادم لهم لا سيدا عليهم وأصبح المنصب مَغرما لا مغنما ، الثورة التصحيحية هي ثورة ربانية ،يميز الله بين عباده ببن الخبيث والطيب ، قد نتذكر رجل كل العصور مصطفى بكري حينما كان يصدح في مجلس الثورة ويسميها " الثورة المجيدة " ويطالب بحقوق شهدائها ، وانخدع له الكثيرون ، لكن لم يعد باستطاعته أو غيره ممن ألفوا هذا الطريق أن يخدعوا الشعب مرة أخرى ،فأصبح لدى مجموع الأمة حاسة لاستشعار المنافق من المخلص ، وهذا الدرس الكبير هو ثورة على الثورة نفسها، أصبح مجموع الأمة  هو من يقود القوى السياسية ، لا أن تقود جزء من القوى السياسية جزءا من الشعب لتحقيق مصالح خاصة فتضربه بعضه ببعض ، ويتناحر الفريقين ليخرج اللئيم بالمكسب وحده على حساب الجميع حتى مع من خدعهم .

لم تعد القوى السياسية كما كانت قبل الثورة أو في أيامها تلهث كل واحدة على الكعكة لتقضمها وحدها، بل آمنت بعد توابعها "أن الكعكة هي كعكة الجميع، ولكي لا تفسد ويعتريها العفن لابد للجميع أن يتشارك فيها على قدر جهده، وأن يتنازل ولا قدرًا يسيرا من حقه للطرف الآخر لينشغلوا ببناء الوطن للإنسان، لا أن يتصارعوا فيما بينه ، فيهدموا وطن الإنسان، ويكونون نقمة على شعوبهم لا نعمة، وهذه ثورة على الثورة نفسها.

قد يتعارك البعض على مسماها هل هي ثورة أم احتجاج؟ والحقيقة هي سبب من أسباب الله لنقل مجموع الأمة إلى الحرية والعدالة، وامساك الشعب بزمام أموره، والتيقن أن القوى السياسية بحاجة إلى الشعب، والشعب بحاجة إليه لتبحر سفينة الوطن بأمان إلى ما شاء الله .

ومن عظيم الدروس أن ثمن شهداء هذه الثورة لم يذهب هدرًا ، بل هو الدم الزكي الذي يحرك العرائس الجامدة ، ليجعلها حية ، فتتناقلها الأجيال بحثا عن الحرية دون استكانة ، والتيقن أن اللعبة السياسة لم تعد لعبة كلعب الأطفال إن ضاعت لعبة استبدلت بأخرى، بل إن ضيع الإنسان صوته من أجل حفنة من المال ، قفد ضيع عمره وعمر أولاده ومستقبلهم ، والدليل على ذلك اللجان الخاوية على عروشها ، مستقبل الأمة في وعي شعبها ، والقوى السياسية أمينة على هذا الوعي ، تقدم مصلحة الإنسان الوطن على المكاسب السياسية التي تأتي وتروح .

التعليقات / عدد التعليقات (0)

ضع تعليقك

  اذا لم تظهر الصور اعد تحميل الصفحة