شعر: د/ عادل فهمي
حاولْ، ولنْ تجديك كلُّ محاولة وانجو بنفسك، قد أتتك الزلزلةْ
وابحث عن الحفر السحيقة منزلاً بعد النعيم، وكنتَ أرفعَ منزلة
واقفز إلى أفق السماء لعلها تنجيكَ من ريح الجحيم المرسلة
حاول.. تمسك بالبقاء ولا تدعْ للعقل بعد ذهوله أن يقبله
وجه سلاحك للصدور وقل لها: أين المحبة والتذلل والوله ؟
أنكر وناور لا تسلِّم هكذا !! فالشعب قد بدأ الطريق وأكمله
أطلق كلابك كي تعيثَ بعرضنا وتُخيفَ من خبروا الحياة مذللة
لفِّق من التهم المقيتة جملةً فلكم أقام الكذبُ عندك منزله !
لكنْ تذكرْ أن شعبك ثائرٌ والنفس تغلي بالقصاص محملَة
مهما بذلتَ من الوعود فلنْ تجدْ غير الخناجرِ بالدماء مكلَّلة
***
حين ارتقيتَ لحكم مصر ولم تكن أهلا لها، طرحتْ عليك الأسئلة
فخفضت صوتك بالجواب تواضعا، ووقفت بعد الحكم عند البسملة !!
منحتكَ مصرُ بكل حبٍّ قلبها وتقلبتْ في الصبر وهي مسلسلة
وثِقتْ بأوهام الرخاء يعمـُّـــها وتوقعتْ سحبَ النماء المثقلة
فشربتَ ماء النيل في فيضانه وتركتها عطشى بأرض قاحلة
وحصدت أحلام الثكالى عنوة لم تبقِ للمسكين حتى سنبلة ..!
وولغتَ في مال اليتيم وعرضه وتركته، لقوافل المتسولة
وسرقت أعمار الشباب وسقته للموت، في وسط البحار الموغلة
أممّت أفواه الخلائق كلهم إلا إذا غنتك وهي مكبَّلة:
أنت الذي فاق الأنام كياسةً ونهلتَ من نبع الصفات المذهلة
أنت الذي عبر الهزيمة وحده والشعب يلهو في ملاهٍ مخجلة
أنت الذي أوتيتَ كل فضيلة والناسُ في دنيا الفساد الموحلة
أنت الذي إن شاء، يسرجُ ليلنا وإذا غضبتَ، فكل قولٍ حوقلة
أنت المعز لكل نذل خامل متخيِّرٍ من كل فعل أرذله
***
حاول ، تذكر كيف صرت مؤلها، لا يسألونك عن حرائق مشعلة
وإذا خرجت لبعض شأنك خلسة تبدو لنا كل الطرائق مقفلة
ولأجل أن تحيا بعيدا لاهيا آمالنا بقيت لديك معطلة
وإذا حلمت بأن تكون مبجلا تأتيك أشعار المديح مرتلة..!
وإذا اكتأبت لبعض شأن عابر تلقاك أبواق النفاق مولولة
وإذا اشتهيت طعمت من أكبادنا وسخرت من آلامنا المتوسلة
وإذا سكرت من الدماء تركتنا صرعى يجيل الموتُ فينا معوله
وتخذت من أرض الجياع حدائقا، فاقت “بشرم الشيخ” مجد طليطلة
***
وإذا فرحت وكان فرحك دائما تأخذك نوباتُ الغباء مجلجلة
تنسيك من تاريخ طيبة قصة: فرعون موسى حين قام ليقتله
لم تغن عنه جيوشه وبروجه.. سبحان من طمس العقول وأوصله
ليكون من بعد المهانة آيةً للفاسدين الهالكين و أمثلة
***
إن كنت لم تنس تورث أمرنا قبل الرحيل لطغمة متغولة
كانت تسوس قيادنا بدهائها ورجالها نسجوا خيوط المهزلة
وضعوا على صدر الوليد قلادة ليجهزوه لخوض حرب باطلة
ودعوا له فوق المنابر بالرضا ولقد رضينا، وذاك أس المشكلة :
فلقد تهان الأسد حين سُباتها ليقوم فأر ، في العرين ويشغله..!
***
حاول، ولا تنس بأن شبابنا كبروا ، وصار لكل فرد مسألة
قد يقهر الحكام شعبا مؤمنا عند السكوت ؟ و صمت شعبك معضلة
الشعب يطوى جوعه بعفافه ويظل يحفظ للخليفة منزلة
لكنه عند الخيانة ثورة لا ينثني حتى يفكّ سلاسله
***
حاول، تخيل كيف كنت وصحبةُ رقصوا على أنغامك المتخيلة
صحبوك حتى أثمرت أحلامهم نهب الشعوب بخطة متعجلة
والآن قد تركوك تنزف واقفا ضاقوا بكل حياتك المترهلة
وتنكروا للعهد بعد زواله وتوجهوا صوب العهود المقبلة..!
ما أعجب الدنيا ، وأغرب شأنها وأخس بعض خصالها المتحولة
***
حاول، لتفهم قبل موتك أننا، كنا نراك كدمية متنقلة
أطفأت من نور العقول مشاعلا كانت تجيء لأرضها متسللة
تصغي إليك وأنت جهلٌ ماثل، ما أقبح العقل الغبي وأجهله..!!
شعب تقلب في الحضارة وارتقى وبنى وزين بالجمال معاقله
يلقى المهانة من دعي هالكٍ والصبر قد أعيا المسير وعطله
***
حاول ، لتعرف عن حصونك فكرة بأفول نجمك كيف صارت مبولة
وانظر نساءك -والأمور تبدلت دنيا المباهج- في سجون مهملة
وانظر قلاع الظلم بعد زوالها، كانت مراتع بالفساد ممولة
وانظر رجالك في غياهب سجنهم يتلاومون وقد تطول المسألة
***
حاول، فقد تلقى لنفسك موضعا تحت البحار، وتلك آمن منزلة
أو في مغارات الذئاب لعلها تحنو على ذئب بدون مساءلة
أو في كهوف الخائنين شعوبهم بين الأفاعي الناقمات القاتلة
أو في سراديب الظلام وبردها ما أثقل الخوف الرهيب وأطوله
حاول، تخيل حين يخرج شعبنا ليعيد للوطن السليب البوْصلَة
ويهب يقتلع الفساد بضربة تهوي بوجه الأرض وهي مخلخلة
ويزيح أرباب السفاهة عنوة.. لتغوص في دنيا الهلاك مهرولة
وتكون في تاريخ طيبة قصة تُتلى على سمع الطغاة منزّلة
حاول، فقد تلقى لقبرك موطئا فلقد أقام الشعب عود المقصلة
فكم ادعيت بأن عرشك قلبه حب الشعوب إذا أهينت قنبلة
***
أنظر إلى قاع الجحيم فقد ترى أجسام من ظلموا الشعوب مجندلة
هامان يخطر في لباس فاخر وثيابه حلل العذاب المسبلة
قارون يزهو في وجاهة علمه ويغيب في غمراته المتواصلة
أنظر إلى الشيطان تاب لربه لكن شرك خصلة متأصلة
كنا نؤمل أن تورث شعبنا من طول عهد حكمة متناقلة
لكنْ شعوبا أمسكت بمصيرها “قد علمت حكامها ما تجهله”

