سمير رجب
.. هكذا ثبت بكل الدلائل القاطعة.. أن المجتمعات تؤثر في بعضها البعض.. وأن الأمل الذي يراود اليوم شعباً من الشعوب سرعان ما تتسع آفاقه غداً ليشمل.. شعباً آخر.. لاسيما إذا كان قريباً.. أو جاراً..!
.. وعندما اندلعت شرارة ثورة تونس.. كابر من كابروا.. بأن مصر ليست تونس.. وما حدث هناك ليس بلازم أن يتكرر هنا.. لكن لم تكد تمضي سوي أيام معدودة حتي تبين إلي أي مدي أصاب القصور الفكري.. عقول هؤلاء الذين طالما نصبوا أنفسهم "منظرين".. ومروجين لتجارة بائرة..!
.. ثم حدثت ثورة 25 يناير.. وأيضا لم يحاول العقيد الراحل معمر القذافي استيعاب ما جري.. وما سيجري.. فوقف يعاند.. ويضخم من ذاته ويصر علي التحلي بشجاعة زائفة.. حتي داسته في النهاية أقدام أبناء شعبه..!
***
أقول ذلك بمناسبة انتخابات المجلس التأسيسي التي جرت في تونس.. والتي أسفرت عن حصول حزب النهضة الإسلامي عما يقرب من الخمسين في المائة.. مما يطرح سؤالاً تلقائياً وبديهياً:
* استناداً إلي نفس الرؤية.. هل يمكن أن يحصد الإخوان المسلمون في مصر.. ما يعادل.. نصف مقاعد مجلسي الشعب والشوري القادمين.. أو حتي أقل بنسب متفاوتة..؟؟
بكل المقاييس.. هذا ليس مستبعداً.. وإذا كان الإخوان المسلمون قد سبق أن أعلنوا.. ومازالوا يعلنون بأنهم لن يحصلوا إلا علي 30 * المائة من أصوات الناخبين.. فأنا شخصياً أتصور أنهم أخذوا يلعبون علي ما هو أكثر.. الأمر الذي يعني أنهم سيشكلون "كتلة" برلمانية لا يستهان بها.. تعطيهم بالتبعية.. فرصاً شاسعة لتشكيل أو الاشتراك في حكومة تعبر عن توجهاتهم.. وتحقق نظرياتهم.. وسياساتهم التي ظلوا طويلاً.. طويلاً.. يناضلون من أجلها..!
***
وحزب النهضة في تونس.. أكد حتي قبل إعلان النتائج الرسمية أنه سوف يتعاون مع باقي الأحزاب في نفس الوقت الذي لن يفرض فيه سيطرته وسطوته علي الناس.. مكتفيا كما سيفعل الليبيون باعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للقوانين..!
لا بأس..!
لكن.. هو سيسير الإخوان المسلمون في مصر علي نفس النهج.. إذا ما تحقق لهم ما أرادوا..؟؟
ثم.. ثم.. ما أدرانا ألا يتحالفوا مع السلفيين رغم الخلاف الظاهر بينهم ليصل "التشدد" أقصي مداه.. ويظهر من بيننا من يكون له سلطة اتخاذ قرارات أو إجراءات تضر بصالح المجتمع.. وتؤثر سلبياً علي حياة أبنائه وبناته تستراً وراء عباءة الدين الحنيف..؟؟
تلك الأمور جميعها واردة.. ويخطئ كل الخطأ.. من لا يحاول تحليلها التحليل السليم دون مواراة.. وبغير مداراة..!
.. وحتي لا تتمزق عري المجتمع.. ولكي يطمئن جميع مواطنيه إلي أن حياتهم تدعمها مقومات الأمن. والاستقرار.. وعدم الخشية مما يخبئه المستقبل سوي علي المدي القصير.. أو المدي البعيد.. فإن "الإخوان المسلمون" مطالبون من اليوم.. بتقديم تصور واضح عما تحويه جعبتهم.. فالتصريحات "الشمولية".. لا تفي بالغرض.. كما أن الوعود التي لا تحمل في طياتها.. التزامات موثقة بالتنفيذ.. من السهل أن تذهب أدراج الرياح..!!
***
بصراحة الناس في مصر.. تخشي عندما يصبح للإخوان القوة.. والنفوذ.. والغلبة.. سواء بمفردهم.. أو بتحالفهم مع من يسيرون معهم علي الدرب عن قرب أو عن بعد.. أن يضيقوا منافذ السياحة من حيث تحديد "الشروط" التي ينبغي توافرها في كل من يحلون ضيوفاً علينا وغالباً هي شروط قد ترضي البعض.. ولا تروق الكل..!
عندئذ.. يحدث التعارض.. بين السياحة.. والسياسة.. ليتأثر في النهاية الدخل القومي.. وترتفع نسبة البطالة.. وتقل الموارد من العملة الصعبة..!
.. والناس في مصر.. يخشون من وضع العقبات والألغام لمنع أو تقليص نشاط البنوك المصرفية.. والتركيز علي البنوك الإسلامية.. إذ أن هناك فئات من المجتمع يعتمد أفرادها في تدبير موارد معيشتهم علي "فوائد الودائع".. وعلي شهادات استثمار المعاشات. أو الشهادات البلاتينية.. وغيرها.. وغيرها.. مع الأخذ في الاعتبار بأنه لا توجد "فتاوي دينية" جامعة اتفقت علي تحريم هذا النوع من النشاط.. وبالتالي فإن التطوع لمنعه أو وقفه.. يؤدي إلي انعكاسات اقتصادية هائلة.. وآثار سلبية اجتماعية تهد الكيان.. وتزيد من حدة الاحتقان والتوتر الداخلي!!
ولعل ما يشجع الإخوان المسلمين علي أن يفكروا في "الأمر".. أن زملاءهم في ليبيا تعهدوا يوم تحرير البلاد من حكم القذافي.. بأنهم سيكتفون بالبنوك الإسلامية.. دون غيرها..!!
أيضا المرأة في مصر.. تخشي من تراجع دورها.. ومن العودة بها إلي عصر الحريم.. لأنها تختلف عن غيرها في كثير من المجتمعات العربية إذ لها فضل السبق في التعليم.. وفي شغل أرقي المناصب.. فمن ينكر أن أول وزيرة في العالم العربي والعالم الإسلامي أطلت علي الدنيا من هنا؟؟
ومن كان لا يتباهي ولا يتفاخر.. بأن المرأة المصرية أخذت مكانها علي منصة القضاء وعملت رئيسة للجامعة.. وعميدة للكلية.. و.. و.. فهل ترضي عن ذلك بديلاً..؟؟!!
ثم.. ثم.. يأتي أقباط مصر الأعزاء الذين يجب أن تحوطهم سياجات الأمان. والعدل. والمساواة من كل جانب.. فماذا يملك "الإخوان المسلمون" من الأدوات العملية. والواقعية. والبديهية.. التي تجعل الأقباط يوقنون بأنهم بالفعل من ذات النسيج الواحد.. وليسوا أقلية طائفية..؟؟
***
علي أي حال.. إنها تصورات الثلاثة أو الأربعة شهور الماضية.. وعلماء الاجتماع وخبراء السياسة يؤكدون معاً.. علي أنه خلال أولي خطوات إعادة بناء المجتمعات لابد من المصارحة.. والمكاشفة.. والوضوح..!
وها نحن نفعل..!

