26/06/2011
أحمد عز الدين :
هل تعدّ كثرة الأحزاب ذات المرجعيَّة الإسلاميَّة في مصر إضافة للعمل الحزبي أم تشرذمًا يمكن أن يضرَّ بالعمل الإسلامي ويشتت جهوده في مواجهة الحشد العلماني الضخم المدعوم بقوة المال وتأثير الإعلام؟
بالنظر إلى الأحزاب الثلاثة القائمة، أو تلك التي في طريقها للوجود الرسمي نلحظ أن كل حزب منها يمثل جماعة كانت قائمة بالفعل، أو فكرًا كان موجودًا بالفعل قبل ثورة 25 يناير، لكنها – جماعات وأفكارًا- كانت تفتقر إلى الوجود الرسمي؛ بسبب تعنُّت الأنظمة السابقة منذ ثورة يوليو 1952 بشكلٍ عام، وانسداد الأفق السياسي في عهد مبارك بشكلٍ خاص، وهي الآن تسعى لاكتساب الوجود القانوني الذي يحقِّق لها إمكانيَّة العمل السياسي دون معوِّق:
فحزب الحرية والعدالة أنشأته جماعة الإخوان المسلمين، وهي التي وضعت برنامجه، واختارت أبرز قياداته، كما أن الانتخابات التي جرت لاحقًا، ولا تزال تجري في بعض المحافظات لاختيار قيادات الحزب الوسيطة لم تأت بغريب عن الإخوان حتى الآن، لسبب بسيط، وهو أن معظم من انضمّوا للحزب سواء مؤسسون أو أعضاء هم من الإخوان.
ومعروف أن جماعة الإخوان المسلمين ظلَّت قائمةً لأكثر من ثمانين عامًا، ولم تندمجْ في أي كيان إسلامي آخر.. صحيح أنها عقدت بعض التحالفات مع حزب الوفد العلماني عام 1984، ومع حزبي العمل والأحرار ضمن "التحالف الإسلامي" عام 1987م، لكن كلَ طرف أبقى على هياكله التنظيميَّة مستقلَّة عن بقية الأطراف.
حزب الوسط، وقد أوردنا قصة نشأته في الحلقة الأولى من هذا الموضوع، لكنه يحرص منذ محاولات نشأته الأولى على إثبات تمايزه عن الإخوان، حيث "نجح المؤسسون في رسم صورة واضحة عن المشروع من حيث استقلاله عن "الإخوان المسلمين" وسعيه لأن يكون حزبًا مدنيًّا ذا مرجعيَّة إسلاميَّة ومستقلا ويعبِّر عن شريحة واسعة من المواطنين المصريين بشكلٍ أوسع من فكرة جماعة دينيَّة دعويَّة" كما يقول الحزب عن نفسه.
السلفيَّة السكندريَّة
حزب "النور" الذي أنشأه سلفيون، من مدينة الإسكندرية الساحليَّة، حيث نشأت الدعوة السلفيَّة وتتمتع هناك بحضور لافت، ووفق ما نشره موقع "الدستور الأصلي" في 24 مايو الماضي فقد نفى الدكتور (طبيب) عماد الدين عبد الغفور وكيل مؤسسي الحزب أن يكون للحزب علاقة بالدعوة السلفيَّة بالإسكندرية الآن، مؤكدًا انفصالهم عنهم منذ أواخر التسعينيات، لكن الدعوة السلفيَّة بالإسكندريَّة أعلنت في بيانٍ لها نُشر في 9 يونيو الجاري أنها ستدعم حزب النور في الانتخابات القادمة، وقال الشيخ محمود عبد الحميد: "اطّلعنا على برنامج حزب النور، وسندعم هذا الحزب في الانتخابات القادمة وسنقوِّيه بإذن الله؛ لأن المنهج متوافق مع الدعوة السلفيَّة" وأكَّد عبد الحميد على أن الدعوة السلفيَّة "لن تتحوَّل إلى حزب أبدًا، ولن يشارك الدعاة في حزب من الأحزاب.. إنما ننظر في أقرب الأحزاب إلى منهجنا ونؤيِّده"، وهو ما تحقَّق في حزب النور، خاصة وأن أعضاءه من أبناء الدعوة السلفية شاركوا كي يقوموا بواجبهم في العمل السياسي.
وهو يرى أن المشاركة السياسيَّة بهذه الصورة هدفها "نصرة دين الله وليس انتصارًا لجماعة ولا جمعيَّة، وليس لتحزب أو فئويَّة" وأن نصل إلى صياغة قوانين تكون "موافقة للشريعة الإسلاميَّة" وأن نمنع القوانين المخالفة للإسلام، والعمل على تقليل الشرّ والفساد، وعدم ترك الساحة للعلمانيين؛ لأنهم إذا انفردوا بالساحة فسوف "يسنّون قوانين موافقة لهم تُفرض علينا ولا نستطيع أن نتخلَّص منها".
وأشار عبد الحميد إلى أن الدعوة السلفيَّة باتت تمثل "جماعة ضغط" لأنها تمتلك "عددًا كبيرًا جدًّا من الأصوات، وتنتشر في جميع محافظات الجمهورية"، مؤكدًا على أنهم سيشاركون بهذه الأصوات في كل الاستحقاقات الانتخابية للضغط باتخاذ مواقف تخدم المشروع الإسلامي المستمدّ من الكتاب والسنة.
ورأى عبد الحميد في المشاركة السياسيَّة في هذه المرحلة "صناعة تاريخ" وأن البرلمان القادم سيضع دستور البلاد، وهو ما يستلزم "أن يكون لنا إطار يحمي الدعوة بوجود أعضاء في البرلمان سواء كانوا من الحزب (النور) أو أن الدعوة ترشّح بعض الناس، أو أن نختار من غيرنا من الإسلاميين، ومن الناس الصالحين، إذا كان لنا دوائر ليس فيها مرشحون".
السلفيَّة القاهريَّة
ورغم أن حزب النور يمكن أن يستوعب مجمل طاقة السلفيين، إلا أن هناك حديثًا عن قُرب تشكل أكثر من التيار ذاته، وقد تبلور منها على الأقل حزب "الفضيلة"، الذي يدعمه تيار السلفية بالقاهرة (يسميها البعض السلفية الحركيَّة) ممثلا في د. محمد عبد المقصود، وحسن أبو الأشبال ونشأت إبراهيم، وفوزي السعيد، وغيرهم، ويتولَّى رئاسة الحزب لواء الشرطة السابق عادل عبد المقصود عفيفي، شقيق د. محمد عبد المقصود، ووكيل المؤسسين د. خالد سعيد.
الجماعة الإسلاميَّة والجهاد
حزب "'البناء والتنمية" الذي يعد بمثابة امتداد لـ "الجماعة الإسلاميَّة" ويعتمد أساليب العمل العام السلميَّة، حسب بيانٍ للجماعة.
وفي المؤتمر التأسيسي للحزب الذي حضرته قيادات "الجماعة الإسلاميَّة" تم اختيار طارق الزمر، وصفوت عبد الغني وآخرين وكلاء مؤسسين للحزب.
ومعروف أن طارق الزمر بقي في السجن منذ عام 1981 حتى ثورة يناير الماضي، ولم يخرجْ مع من خرجوا بعد إعلان مبادرة وقف العنف، كما أن صفوت عبد الغني كان مسئول الجناح العسكري بالجماعة، وقد سبق أن أصدر مجلس شورى الجماعة الإسلاميَّة قرارًا بفصل عبد الغني وعصام دربالة، بعد "ثبوت أن عبد الغني ودربالة يسعيان للعودة إلى فكر ما قبل المبادرة (مبادرة وقف العنف) ومحاولة تحويل فكر الآخرين إلى مرحلة ما قبل المبادرة عن طريق عقد لقاءات مع عدد من الإخوة.. وحثّهم على ترك فكر المبادرة" لكن عبد الغني عاد للجماعة بدعمٍ من عبود الزمر الزعيم التاريخي في الجماعة.
ولا يُستبعد أن يسعى آخرون في "الجماعة الإسلاميَّة" مثل كرم زهدي, وناجح إبراهيم للعمل بشكلٍ مستقل عن تيار عبود الزمر.
حزب السلامة والتنمية، المنبثق عن جماعة "الجهاد"، وقد فاز برئاسته د. كمال السعيد حبيب، ويتولى المحامي أحمد إسماعيل مهمة وكيل المؤسسين، ويضمّ المكتب السياسي للحزب أسامة قاسم وعلي فراج وقد كانا حُكم عليهما بالمؤبد في قضية مقتل السادات.
حزب "التوحيد العربي" الذي تؤسسه مجموعة من المنتمين للتيار الإسلامي مثل محفوظ عزام ود. صلاح عبد المتعال، الخارجين من حزب "العمل"، ذي التوجه الإسلامي أيضًا، بعد خلاف ممتد مع مجدي أحمد حسين الذي آلت إليه رئاسة حزب العمل بحكم الأمر الواقع، ويقوم عمر عزام بمهمة وكيل مؤسسي الحزب الجديد.
ويتضح من السرد السابق أن الأحزاب التي نشأت أو تلك التي في طريقها للنشوء، لا تعدو أن تكون صورًا جديدة لأشكالٍ قائمة بالفعل على الساحة.
.........
[email protected]
طالع :
الأحزاب (ذات المرجعية الإسلامية في مصر) .. إضافة أم تشرذم ؟؟ (1)

