حملة إعلامية ضخمة شملت معظم وسائل الإعلام - المرئية والمقرؤة والمسموعة - حكومية وخاصة موجهةً سهامها تجاه التيار الإسلامي بصفة عامة والإخوان المسلمون بصفة خاصة ، في صورة من صور الإقصاء المرفوضة , تسعي لتنفير الشعب من كل ما هو إسلامي ، مزيفة للحقائق ، ساعية لإدخال الناس في حالة من الجدال الهدام ، في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلي توحيد القوي وتوظيف الطاقات للعبور بمصر إلي بر الأمان ، الأمر الذي يحتم علينا توضيح عدد من الحقائق التي يجب إلا تغيب .
أولا : الصحوة الإسلامية امتدادٌ لتاريخ طويل من حركات الإحياء والإصلاح . فليست الصحوة الإسلامية كما يدعي البعض نبتا حديثا ورادا من الخارج ، بل هي امتداد لدعوة ودولة كريمة قامت علي الولاء للقيم والمبادئ وعاشت من خلال بصائر الوحي ونور القران الكريم ، فالصحوة الإسلامية نداء لضمائر الأمة ، بل هي امتداد ليقظة أمة غابت بفعل فاعل عن ركب الحضارة والآن تتقدم إلى مسرح التاريخ بعد ليل طويل من الانحطاط والاستعمار.
ثانيا : أن هذه الصحوة الإسلامية لم تنفصل يوما ما - بجميع فصائلها واتجاهاتها - عن مؤسسة الأزهر الشريف ، فمنذ ضُيق علي الأزهر وسُلسل بالقيود تحت مظلة التطوير المزعوم ، وقد انطلق رجاله وعلماؤه يعلمون ويتعلمون في مدارس الصحوة الإسلامية العظيمة وفي القلب منها دعوة الإخوان المسلمون .
ثالثا : ندعو الجميع إلي الفهم الصحيح للشريعة . فلقد تم تشويه مفهوم تطبيق الشريعة في أذهان الكثير من الناس ، حيث يتعمد الإعلام عرض الشريعة للناس علي أنها قانون عقوبات ، وكأن قطع يد سارق سرق جنيهات على يد سارق سرق مليارات هو الشرع ذاته !! أو كأن رد بيت من مغتصبه إلى صاحبه على يد من اغتصب وطنا بأكمله هو العدل عينه !! أو كأن تحرير فرد واحد من السجن على يد من تحكم في رقاب ملايين البشر أمرا ذا بال !! ، يا سادة الشريعة الإسلامية نظام شامل لكل مناحي الحياة ، هي الرحمة كما قال ربنا جل في علاه " إنا كنا مرسلين ، رحمة من ربك إنه هو السميع العليم " .
رابعا : ليعلم الجميع أن تطبيق الشريعة يبدأ أولا ببناء نظام سياسي يكون القانون فيه فوق الإنسان، حاكما ومحكوما. فأساس الشريعة العدل، ولا عدل إذا ظل بين المواطنين من هو فوق القانون ومن هو تحت القانون. ومهما يكن جمال القانون ما لم يتصف بصفة العموم والإطلاق والإنصاف ، ولن يكون ذلك إلا تحت ظل المرجعية العليا للإسلام ، ويجب أن يوقن الجميع بأن إقامة حكم سياسي يحترم إرادة الأمة وحرية الفرد هو السبيل إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، فالشرعية السياسية أولا، ثم تطبيق الشريعة بعد ذلك.
خامسا : ونحن علي يقين تام بأن أحكام الشريعة لن تقام في أرض الواقع إلا إذا احتضنتها الغالبية من أبناء الشعب، وأصبحت تعبيرا إجرائيا عن إرادة أمة حرة، يلتزم بها الجميع طوعا لا كرها . قال تعالي " لا إكراه في الدين " .
سادسا : أهمية توفير القناعة بأن الشرعية السياسية هي مفتاح الأداء السياسي الجيد ، وأن المنافسة السياسية المتوازنة سبيل للنهوض بالمجتمعات. ولهذا فتبني الديمقراطية وسيلة وأسلوبا لتحقيق الإرادة الشعبية في أرض الواقع أمر أساسي لبناء مستقبل أمتنا .
سابعاً : إذا كانت الديمقراطية نظام سياسي يستهدف أمرين أساسيين، هما :
تقييد سلطة الحكام والحد من احتمال تعسفهم في استخدام السلطة
وصيانة كرامة الأفراد وحرياتهم وحقوقهم.
فإنها تحقق بوضعها هذا عددا من الأطر الدستورية والقانونية والترتيبات المؤسسية والقواعد السياسية، وهي بهذا المعنى تأتي إعمالا للمرجعيات القائمة في كل مجتمع ، وبالتالي فليس من المتصور لهذه المؤسسات أن تخترق المرجعيات العليا وقيم المجتمع ، وهي بهذا المعني صيغة إجرائية جيدة ، ونتاج لفكر بشري متواصل للوصول إلي الأفضل ، إذا ما سمحت لنظام العقائد والقيم في المجتمع بالتعبير عن نفسه بحرية ، وتجسيد ذلك في قوانين وضوابط عملية ، فالقيم والعقائد لاشك تختلف من مجتمع لآخر .
ثامناً : نوقن بأن الإجراءات الديمقراطية الصحيحة في مجتمع مسلم ستأتي بأحكام الإسلام من دون ريب، ونتائجها في مجتمع غير مسلم ستأتي بغير ذلك، ولا يتوقع منها غير ذلك .
تاسعاً : نري وبصدق أن المعركة من أجل الديمقراطية اليوم جزء لا يتجزأ من مشروع النهضة بل هي جزء من المعركة من أجل الحياة الإسلامية ، فالديمقراطية بهذا المعني هي إجراء يؤدي تأكيد هوية الأمة والحفاظ عليها ، وليست انحرافا عن مشروعها . ونسعد كل السعادة أن تسعي كل الحركات والائتلافات إلى أن تكون جزءا فاعلا في الفضاء السياسي، وأن تتمتع بالحرية الكاملة في إبلاغ رسالتها الفكرية والسياسية إلى الناس.
عاشراً : جماعة الأخوان جزءٌ هام من التطور السياسي السلمي نحو سلطة شرعية وفاعلة في البلاد ، ولا حرج عليها - كما لا حرج علي أي تيار سياسي آخر - أن تنمو إلى لتصير حزب أغلبية يحكم بالقانون ويحكُمه القانون .
حادي عشر : علي كل عناصر المشهد السياسي ( المجلس العسكري – الأحزاب – القوي السياسية – المؤسسات الدينية – مؤسسات المجتمع المدني ... ) أن يعلموا بأن التضحية بالشرعية السياسية لصالح أي مصلحة أخرى هدم لأساس الاجتماع السياسي، واختلال في الموازين الأخلاقية والسياسية ، وضياع لمستقبل البلد .
ثاني عشر : يجب السعي الجاد والحثيث إلي بناء الثقة بين كل الائتلافات والقوي السياسية والمجتمعية في أوطاننا، وتقوية الحرص علي بناء قواعد سلمية لتداول السلطة وحل الخلاف ، نتمسك بقيم الإسلام دون إكراه ، وتتشبث بحرية الفرد والمجتمع دون وصاية ، فمما قاله نيلسون مانديلا في مذكراته (طريقي الطويل نحن الحرية) : "الثورة ليست مجرد الضغط على الزناد، ولكنها حركة تهدف إلى إقامة مجتمع العدل والإنصاف".
فهل يعي القائمون علي الإعلام في بلادنا طبيعة الحالة التي تمر بها مصر من وجود فائض للثورة ، وبيئة محفزة يجب أن توظف في البناء ، وإلا صارت عامل هدم ، وهل نطمح بأن يُصبح الإعلام في بلدنا إعلام تثقيف وإنارة ، لا إعلام هدم وإثارة ؟!!!!

