د ممدوح المنير  :

تتصاعد و تيرة الأحداث على الساحة الليبية يوما بعد يوم ، مما يصعب على المراقب أو المتابع التنبأ بما ستؤول إليه الأمور هناك فى القريب العاجل ، خاصة إذا تحدثنا عن إلتباس المشهد هناك و تفاعل العديد من العوامل و القوى التى تجعل كافة الخيارات مفتوحة أمام مستقبل الثورة الليبية التى أصبح المنجز الوحيد لها المؤكد حتى الآن  هو القضاء على معمر القذافى أو المقبور كما يطلق عليه الليبيون .

فى الأسبوع الأول من مارس 2012 و بعد مرور عام على الثورة الليبية ، شهدت الساحة الليبية عدت أحداث تدلل على حالة الإلتباس التى نحاول أن نجليها فى هذا المقال  .

ففى الوقت الذى أعيد فيه إنتخاب عبدالجليل مصطفى كرئيس للمجلس الإنتقالى الليبى  ، أعلن زعماء محليون فى بنغازى يوم الثلاثاء 6 / 3  أن ولاية برقة  التى تقع فى الشطر الشرقي من ليبيا قد أصبحت إقليما فدراليا اتحاديا  و أنشؤوا مجلس حكم محلى لإدارة شئون الولاية مكون من سياسيين و شيوخ قبائل برئاسة أحمد السنوسى .

ليس هذا فحسب بل شهد الجنوب الشرقى للولاية - و تحديدا فى الكفرة - تجددت الإشتباكات بين قبيلتى التبو و الزوى للسيطرة على قطعة أرض مما أسفر عن مقتل أكثر من مئة شخص من القبيلتين .

هذه الأحداث  توضح  حجم التعقيدات التى تواجه المجلس الإنتقالى  فى الفترة القادمة خاصة أن خارطة الطريق المعلن عنها من قبل المجلس الإنتقالى فى الإعلان الدستورى  يستحيل أن تطبق عمليا فى ظل هذه الأوضاع الأمنية المتردية التى قد تطيل أمد الفترة الإنتقالية ، مما يجعل الأوضاع تزداد سوءا بين الليبيين .

فالمراحل المتبقية من خارطة الطريق الليبية تقضى بإنتخاب المؤتمر الوطني الليبيي الذي يتكون من 200 عضو يمثلون 10 محافظات، على نحو 20 عضو عن كل محافظة، على أن تتم هذه الانتخابات تحت إشراف دولي وإقليمي  ، بعد هذه الانتخابات سيتم تسليم السلطة إلى هذا المؤتمر المنتخب ، وتكون مهامه تشكيل الحكومة الانتقالية وتكليف لجنة لإعداد الدستور وصياغته ، ثم استفتاء الشعب عليه.

ولا يتوقف دور المؤتمر الوطني المنتخب عند هذا فقط، بل سيقوم بالإشراف على انتخابات مؤسسات الدولة السيادية ، والإعداد للإنتخابات الرئاسية ، ومن ثم تشكيل الحكومة المنتخبة ، ووضع أسس بناء مؤسسات الدولة الحديثة.

لذلك يفسر البعض محاولة بعض زعماء ولاية برقة لتكوين حكم محلى هى محاولة ابتزاز للضغط على المجلس الإنتقالى لضمان الحصول على حصة أكبر من المقاعد فى المجلس الوطنى أو حصول هؤلاء الزعماء على بعض المكاسب السياسية فى ليبيا الجديدة .

رغم أن المنادين بالفيدرالية يبررون ذلك بالتهميش الكبير الذى يشعر به المواطن الليبى المقيم فى الأطراف فى كافة الخدمات مقابل امتيازات التى يحصل عليها أهل طرابلس .

و الذى يزيد الوضع تعقيدا فى ليبيا أنه بعد سقوط القذافى و انهيار نظامه ظلت كتائب  الثوار على تسلحيها كما هى  و بدأ الكثير منها يكوّن له مناطق نفوذ فى كافة المناطق الليبية ، بل دخل على الخط عصابات إجرامية تدعى أنها من كتائب الثوار و أصبح مهمتها السلب و النهب دون رادع  ، مما جعل المدن الليبية خاصة الرئيسية منها تتدهور أوضاعها الأمنية و الإقتصادية بشكل مزرى نتيجة وجود هذه الكتائب المسلحة. 

كما فشلت محاولات ضم معظمهم للجيش الليبى الوليد أو حتى الإنضواء تحت وزارة الداخلية الجديدة ، مما جعل المجلس الإنتقالى يده مغلولة فليس لديه قوات نظامية كافية يفرض بها سيطرته على هذه الكتائب ، فليبيا لا توجد بها مؤسسات كأى دولة عصرية و ليس لها دستور أو قانون أو حتى مجالس تشريعية و رقابية أو حتى جيش نظامى، فقد كانت دولة  القذافى و حسب .

هذا الوضع الغير طبيعى للكتائب دفع الأمم المتحدة للتصريح بأن كتائب الثوار لا تزال تحتفظ بأكثر من 6 آلاف اسير حرب ، فى حين تسيطر الشرطة الوليدة على نحو 2000 محتجز فقط لا غير .

من ناحية أخرى تعانى معظم المدن الليبية من نقص حاد فى الخدمات الأساسية مثل الصحة و التعليم الغذاء و نحو ذلك نتيجة ترامى أطراف الدولة و عدم و جود هيكل إدارى للدولة يؤدى هذه الخدمات فضلا عن سطوة الكتائب المسلحة كما أسلفنا .

هذه الأوضاع تجعل مخزون الصبر لدى الليبيين ينفذ سريعا ، و هو ما دفع الكثير من شرائح المجتمع للتظاهر و الإحتجاج بل حتى اقتحام مقر المجلس الإنتقالى للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية .

إذا أضفنا إلى ذلك كله ضعف تأثير النخب السياسية على رجل الشارع العادى نتيجة لعشرات السنين التى حرص خلالها القذافى على سحق المعارضة و منعها من التأثير فى حياة الليبيين ، سرعان ما نشعر بحجم التهديد الذى على المجلس الإنتقالى مواجهته .

من التحديات التى على المجلس الإنتقالى الليبى مواجهتها هو النفوذ الخارجى المستفحل فى ليبيا فدول الناتو تريد أن تقطف ثمرة مساندتها لثوار ليبيا فى القضاء على القذافى ، حيث أنفقوا مئات الملايين من الدولارات فى هذه الحملة ، لذلك فهى تسعى أو بمعنى أدق تتصارع لتقاسم كعكعة ليبيا بينهم الآن ، خاصة فرنسا و بريطانيا و الولايات المتحدة ، فإلى أى حد يستطيع أن يصمد المجلس الإنتقالى أمام محاولات فرض السيطرة هذه ، أو على الأقل يخرج بأقل الخسائر الممكنة ، مع العلم  أن معظم أرصدة ليبيا لا تزال موجودة فى بنوك الغرب و الليبيين فى امس الحاجة إليها .

ويشير عدد من المحللين  إلى أنه في حالة رفض المجلس الإنتقالى الليبى لهذه الضغوط  ، فإن الدول الغربيَّة تمهِّد لاستخدام فزاعة الإسلاميين، وهو ما بدا واضحًا من إعلان بعض  هذه الدول عن مخاوفها من سيطرة الإسلاميين على الحكم في ليبيا، حتى أن بعضهم قال أن ليبيا هي الدولة الوحيدة في الربيع العربي التي يتنامى فيها ما أسموه بـ (التهديد الإسلامي) .

ليس هذا فحسب بل بدؤوا بالحديث عن أن ترسانة الأسلحة التى كان يمتلكها القذافى أصبحت فى حوزة الإسلاميين خاصة تنظيم القاعدة فى المغرب ، و هم بذلك يهدفون إلى تشويه الدور الرئيسى  الذي لعبه الإسلاميون  في إسقاط القذافي خاصة فى معركة طرابلس و التى بدا واضحا فيها  أنهم الأكثر تنظيما و حركة على الساحة الليبية خاصة جماعة الإخوان المسلمين هناك ، و هم بذلك أيضا  يبتزون المجلس الإنتقالى و يهددونه بشكل غير مباشر إما  الإستجابة لمطالبنا خاصة فى النفط و الدستور أو قد نجعل ليبيا أفغانستان أخرى بدعوى محاربة الإرهابيين المدججين بالسلاح .

هذا الوضع المأزوم يفرض على القيادة الليبية الحالية جملة من استحقاقات المرحلة للعبور الآمن من الفترة الإنتقالية

منها :

عدم إقصاء أحد  من المشاركة فى إدارة الفترة الإنتقالية خاصة فى المجلس الإنتقالى أو المؤتمر الوطنى ، فتوحيد صفوف الليبيين يجب أن يكون الشغل الشاغل للمجلس بقيادته و هو الأساس فى تجاوز الفترة الإنتقالية .

كذلك البدأ فورا فى وضع خطة طموحة لإعادة إعمار ليبيا مع الإعتماد بشكل أساسى على الليبيين ثم الدول العربية ثم الغرب ، و إشراك الشباب بشكل أساسى فى تنفيذها لسحبهم من الكتائب المسلحة إلى بناء الدولة .

أيضا القيام بجهد تثقيفى و تأهيلى كبير للشعب الليبى و خاصة تعريفه بمفهوم الدولة المعاصرة و مميزاتها و أركانها و الفوائد التى ستعود عليه منها و منها مفهوم المواطنة ، فى محاولة للتقليل من حدة النزعة القبيلة أو الجهوية التى تصبغ معظم الليبيين خاصة فى أطراف الدولة ، و هذا لا يعنى إهمال القبيلة التى هى محور حياة الليبيين و لكن احتواءها داخل كيان الدولة الوليدة من مؤسسات نيابية و تشريعية و نحو ذلك .

مطلوب ايضا الإصرار على المضى قدما فى خارطة الطريق المعلنة و العمل على انجازها فى اسرع وقت مع ضمان تمثيل الجميع في كافة مراحلها و محاولة صنع توافق وطنى عليها قدر المستطاع .

يبقى التحدى الأمنى هو الفيصل فى تنفيذ كل ما سبق ، و هو ما يجب ان يكون الهم الشاغل للقيادة الليبية و حله بالتأكيد لن يكون بالتصادم مع الكتائب المسلحة بقدر ما هو محاولة استيعابها داخل مؤسسات الدولة اليبية فى أسرع وقت ممكن .

اعلم جيدا أن تنفيذ هذه المقترحات ليس بالأمر الهين ، و لكن حلم إقامة دولة عصرية حضارية تليق بالشعب الليبى العظيم  كافى لتجاوز هذه العقبات التى هى آلام المخاض للمولود الجديد الذى لم يكن له أن يرى النور إلا بتضحيات عشرات الآلاف من الشهداء الذى سقطوا من أجل أن ينهض وطنهم من جديد .

 

ـــــــــــــــــــ

    رئيس الأكاديمية الدولية للدراسات و التنمية