حازم سعيد :

 

أحداث ليلة أمس ( المؤسفة - المخزية ) فجرت فى رأسي ورأس كل مصري يحب بلده جراحاً ثخينة ، ووضعتنى فى حالة ونفسية فى غاية السوء يستحيل معها أن أستجمع أفكارى ، أو ألم شتات نفسى لأكتب شيئاً ما ، ناهيك عن أن أحلل حدثاً جللاً أزهقت فيه أرواح العشرات من الشباب ... وإنا لله وإنا إليه راجعون ..
وقد هاتفنى أكثر من أخ وصديق ممن لهم علي حق الأخوة وحق الطاعة أن أكتب ، ولولا هذا ما كتبت ، فالجراح التي تثقل نفسي من هذا الحدث الجلل ، لم تدع لى أي فرصة لاستجماع فكرة أو تحليل .. ولقد جربت هذا الشعور مرتين عند وفاة أبي ثم عند وفاة أمي رحمهما الله ، وأنا حديث عهد بالأخيرة ، فما أبشعه من شعور ، وما أثقله من هم وحزن .
أستجمع قلمي لك - عزيزى القارئ - فى سطور ملخصة :

أولاً : ذكرتني هذه الليلة بما فى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يَتقاربُ الزمانُ ويُقبَضُ العلمُ ويُلقَى الشحُّ ويَكثرُ الهرجُ ، فقيل : وما الهرجُ ؟ قال : القتل " .
وقال أيضاً : (( إنَّ بين يدي الساعة لهرجاً )) ، قال : قلت : يا رسول الله ما الهرج ؟ قال : (( القتل )) ، فقال بعض المسلمين : يا رسول الله ، إنا نقتل الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ليس بقتل المشركين ، ولكن يقتل بعضكم بعضاً ، حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وذا قرابته )) فقال بعض القوم : يا رسول الله ، ومعنا عقولنا ذلك اليوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لا ، تنـزع عقول أكثر ذلك الزمان ويخلف له هباء من الناس لا عقول لهم )) .
وحدث عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْعَالِيَةِ. حَتّى إِذَا مَرّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ، دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. وَصَلّيْنَا مَعَهُ. وَدَعَا رَبّهُ طَوِيلاً. ثُمّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: "سَأَلْتُ رَبّي ثَلاَثاً. فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً. سَأَلْتُ رَبّي أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمّتِي بِالسّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا. وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا. وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا".
فها نحن ذا قد كثر فينا القتل ، وسلط بعضنا على بعض ويقتل القاتل وهو لا يعرف لم يقتل ، ويقتل المقتول وهو لا يدري لم قتل ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

ثانياً : أصبح بيناً واضحاً للعيان كم التآمر على هذا البلد والذي يقوده " اللهو الخفي " أو " الطرف الثالث " ، ونكاد نجمع كلنا - نحن المصريين - عليه ، ولا أحد يسمع أو يجيب ..
أما أنها مؤامرة ، فهو القطع واليقين ، وذلك أنك ترى جمهور فريق فائز فى مباراة لم تكن متشنجة أو عنيفة ، ولم يكن بها أحداث ساخنة مستفزة ، ترى هذا الجمهور الفائز وهو يعتدى على اللاعبين ، ويذهب لجمهور الفريق المهزوم وهم أقلية ويلقونهم من المدرجات ويقتلونهم بطريقة بشعة جداً ... فلماذا يفعل ذلك الجمهور الفائز ، وما هذا السيل من الخناقات على صفحات الفيس بوك لدرجة التهديد بتحضير الكفن قبل المباراة لمن سيذهب يشجع ، وكيف للداخلية والجيش والمخابرات والأمن الوطني وهو يرى ذلك ويقرؤوه على الفيس بوك ، ثم يأتي هذا التأمين الهزيل للمباراة بعد كل ذلك ... إنها المؤامرة .
وأما المتآمرون فهم مفسدو النظام السابق وحرامية البلد والظالمين الذين يجدر أن نسميهم بالسياح بمنتجع طرة والذين يقيمون بمعسكر خلوي تأمري بهذ المنتجع ، ومعهم كل أدوات الاتصال الكفيلة بقيادة أي مؤامرة وإحاكة خيوطها .
إنهم ابنا مبارك ومعهم صفوت الشريف وسرور وعز وغيرهم من المفسدين ، الذين يقبعون على صدورنا بمنتجع طرة السياحي .
إنهم أولئك الفلول - فلول الحزب الوطني - والمتأمرون معهم من رجال المال والأعمال الذين هالهم المسار التصحيحي الذي بدأت معالمه تظهر بالبرلمان الحر المنتخب المعبر عن الإرادة المصرية الحقيقية ، فأخذوا يحيكون المؤامرات لإعادة الأوضاع لنقطة الصفر ، وقد صرح زعيمهم المخلوع من قبل : " أنا أو الفوضى " .
إنهم رجال الداخلية المتواطئون مع أولئك الفلول ممن هم فى الخدمة الآن وبيدهم كثير من مقدرات نظام الداخلية والأمن ببلدي مصر .
إنهم عملاء الغرب الممولون تحت شعار جمعيات حقوقية أو منظمات أهلية ، وهم لا يتورعون عن ذلك ، والذين يحركهم الغرب المفزوع من السيطرة الإسلامية الواضحة على البرلمان ، والمسار التصحيحى الذى يتبع هذه السيطرة ، والخروج عن التبعية المذلة للغرب ، بما فى ذلك من تهديد لأمن السرطان القابع بجسدنا والمسمى بإسرائيل .
لم يعجب كل هؤلاء هذا الاستقرار فبدؤوا بسيناريو الفوضى الذى ما فتئوا يكررونه ويحاولون ، منذ أحداث السفارة الإسرائيلية ، ومروراً بأحداث محمد محمود ومجلس الوزراء والاعتداء على السجون وتهريب المساجين ، ومن قبلها الفتنة الطائفية بإمبابة ، ثم هذا الأسبوع وحده ، وبعد مناقشة قانون الطوارئ ، إذا بك أمام سيناريو واضح للفوضى : سرقات مسلحة لبنوك وشركات أموال ، سرقة مول تجارى ، سرقة مكتب بريد ، محاولة اقتحام البرلمان ، فوضى ستاد بورسعيد وما أسفرت عنه من قتلى وضحايا ومصابين ، كل ذلك لوضع الشارع المصرى فى حالة غليان دائم يبعد مصر عن الاستقرار ...
كيف لقادة هذه المؤامرة أن يبقوا هكذا مستوري الحال ، أوليس فى البلد جهازاً للأمن الوطني ، أوليس فيها جهازاً للمخابرات ؟ .


ثالثاً : لقد بات واضحاً تآمر الداخلية المريب ، أو تقصيرها الرهيب ، وفى الحالتين يحتاج الأمر لحلول جذرية قاطعة ، أهمها إقالة كل القيادات العليا للداخلية ، أولئك الفاشلين الذين عانت البلد على يدهم الويلات منذ 25 يناير وحتى الآن بعد أن عانت على يدهم ويلات أخرى لعقود من الزمان .
منذ 25 يناير وهم متواطئون تواطأً رهيباً ، بتخليهم عن حماية مؤسسات الدولة والأقسام التى احترقت ، وانسحابهم تماماً من الشوارع ، حتى رجال المرور انسحبوا ، ومروراً بتخليهم عن التواجد بالشارع وتركه للبلطجة والسطو بالإكراه واغتصاب الأموال والممتلكات ، وانتهاءاً بعدم القدرة على تأمين مباراة كرة قدم .
ولابد بعد الإقالة من اعتقالهم - بقانون الطوارئ - ومحاكمتهم عسكرياً على هذه الجرائم التى ارتكبوها وهم فى الخدمة ، وأهم الجرائم الفوضى المدبرة .. ولا يجوز أبداً الاكتفاء بمجرد الإقالة .. بل لابد من الاعتقال والمحاكمة .
ورغم أن الوقائع أكثر من أن تحصى ، فسأذكر لكم مثالاً خلاف ما شهدناه الليلة ، عن تواطئ الداخلية المريب مع البلطجية ، وهو لصديق بإحدى محافظات الوجه البحري سرقت سيارته بالإكراه ، وطالبه البلطجية بفدية للسيارة خفضها للنصف بعد مفاوضات ، ولما أبلغ صديقى الشرطة بموعد استلام السيارة ودفع الفلوس ، ذهب آمناً وهو يظن أن الشرطة سوف تحميه ، فإذا بالصاعقة تصدمه بمجرد أن يسلمهم الفلوس فى المكان المتفق عليه ، والذى أبلغ به الشرطة ، إذا بالبلطجية يكسرون له أبواب السيارة الأربعة ويحطمونها تحطيماً بشعاً ، ويستولون منه على سيارة أخرى كان يستقلها هو وأخوه لإحضار السيارة الأولى ، وإذا بهم يطالبونه بالرجوع بعدها بيومين لإحضار فدية للسيارة الثانية ، وكان قولهم له : " دى هديتنا علشان متبقاش تبلغ الشرطة تانى " ...
هل تتخيلون .. تواطئ مريب رهيب .. الشرطة التى أبلغها عن الواقعة لم تؤمنه ، بل أمنت البلطجية وأخبرتهم بالحدث وتركتهم يعيثون فساداً كما يريدون .

هذا هو عين ما حدث فى مباراة ليلة أمس حين لم تؤمن المباراة إلا بآحاد أو عشرات من قوات الأمن والتى وقفت تتفرج وتشاهد المهزلة دون تدخل ، وانسحبت بهدوء من الساحة مخلفة ركام القتلى والجرحى .
لابد من غربلة وإعادة هيكلة جهاز الشرطة والداخلية بالكامل ، بعد هذا الفشل والتخلف الذريع ، الذى يصل لحد التآمر ، إن لم يكن تآمراً كاملاً .

هل هذه المؤامرة لمعاقبة الشعب المصري على إلغاء قانون الطوارئ الذى كان يعطى لرجال الداخلية امتيازات استثنائية ؟ أميل لذلك بشدة .

رابعاً : أخطر ما فى هذه المؤامرة ، هو استدراج شريحة شبابية كبيرة لحالة الاحتقان والهيجان ، وهي الشريحة التي ما كان يعنيها شئ سوى فوز فريقها فى مباراة كرة القدم ، فتتآمر عليها وتقتل منها وتصيب بغير حساب ، لتتحول هذه الشريحة لحالة الاحتقان والغليان والرغبة فى الانتقام ، مع ترديد هتافات تهييجية من نوعية : " يا نجيب حقهم ، يا نموت زيهم " ، فى تهييج وتآمر رهيب على مصر وأمنها واستقرارها ، وهو التفكير الشيطاني الذى يستحق صاحبه منا اللعنات فى الدنيا ، والحذر من كيده ودسه ، والاحتياط ضده ، ثم يستحق بإذن الله عقاب الله يوم القيامة .

خامساً : لم يعد بالوسع أن نخدع أنفسنا بشكليات موهمة لنشعر أنفسنا أن البلد مستقر ، أقصد بهذا مسابقة الدورى العام ومباريات الكرة ، ولا أستطيع تصور أنه بالإمكان أن يفكر أحد فى استئناف هذا الدوري وهذه الملهاة ، وهذا السخف الذي تحول لفرصة تاريخية للمفسدين للركوب عليها وامتطاؤها للعبث بهذا البلد المنكوب ، لذا وبعد هذا المصاب الفادح ، فاليقين هو أنه لا دورى ولا كرة ولا شئ من هذه السخافات ينبغى أن يستمر ، وأن إلغاء الدورى هو التصرف اللائق الوحيد من اتحاد الكرة .

سادساً : لقد ألقت الأحداث عبئاً جديداً مضافاً على مجلس الشعب الجديد المنتخب ، وهى مسئولية جسيمة ، كان الله معكم أيها النواب ، ووفقكم الله لما فيه الخير والسداد بعيداً عن سيل المكلمة المتوقع ، فلابد أن تخرجوا لنا بقرارات واضحة ومصيرية ، أحسب أن أبسطها هو سحب الثقة من هذه الحكومة الفاشلة ، وتعيين حكومة جديدة من الأحزاب الممثلة بالبرلمان حسب نسبة تمثيلها بالمجلس ، وكذلك سرعة محاكمة الرئيس المخلوع ، والتفريق بين أولئك الفاشلين المقيمين على حسابنا فى منتجع طرة فى مضاجعهم وإقامتهم ، وتطبيق لائحة السجون عليهم ، والذهاب بهم لسجون متفرقة بين وادي النطرون وطرة وأبى زعبل وخلافه .

وأخيراً : كان الله فى عوننا وعون كل أهالى القتلى والمصابين ، وأسأل الله سبحانه أن يرزقهم الصبر والسلون ، وأن يرحم جميع موتى المسلمين ، وأن يرزقنا حسن الخاتمة والشهادة فى سبيله .. إنه بنا رؤوف رحيم .
-------------
[email protected]