حازم سعيد :
رد فعل طبيعي جداً للنخبة العلمانية إزاء جمعة الاستقرار التى نظمها الإسلاميون من إقامة مأتم كبير على الفضائيات الملاكي ومن صراخهم وعويلهم ، فلقد صدمتهم الحشود المليونية التى ملأت التحرير تعلن عن الهوية الإسلامية بوضوح ، وترفض الافتئات على الشرعية الشعبية التى اكتسبوها باستفتاء التعديلات الدستورية الاخير ، صراخ وعويل ومآتم تعبر عن خيبة الأمل والفشل الذريع الذى يعانى منه الأقلية العلمانية والليبرالية التى نطلق عليها النخبة ، وهو اللفظ الذى نقصد به أنهم معزولون عن الشارع وعن الجماهير .
الحشد المليونى الذى ملأ التحرير والذى تفاوتت تقديراته بين إثنين إلى أربعة ملايين - مع مراعاة ظاهرة التفريغ والتعبئة ، بمعنى انصراف البعض مبكراً وورود أفواج أخرى محلهم .
هذا الحشد المليونى من كافة أطياف التيار الإسلامى إخوان وسلفيين وجماعة إسلامية وجمعية شرعية وأنصار سنة وجماعة الدعوة و .... إلى آخره .
هو حشد كفيل بأن نقف معه وقفتان نتعرض فى أولاهما لبعض إيجابيات هذا الحشد وفى الثانية نتناول أهم المخاوف التى أحسبها مشروعة ، فى ظل التربص العلماني الدولى المحلى ، وهى مخاوف أو توجسات تقرها دروس التاريخ الإسلامي وسننه التى صاغ بعضاً منها القرآن الكريم فى بيان مفصل معجز .
إيجابيات ودروس ..
نستطيع أن نعرض بعض الإيجابيات والدروس المستفادة من الحشد المليونى الذى تم على مدار يوم الجمعة بالتحرير فى النقاط التالية :
أولاً : أثبتت جمعة الاستقرار قدرة الإسلاميين الهائلة على الحشد الواضح البين غير المبنى على الخطاب العاطفي الذى طالما صدعنا العلمانيون بأننا نستقطب الناس على أساسه .
فالمحشودين هم أبناء التيار الإسلامي ذاتهم بقناعتهم الفكرية ، وليسوا من خارج التيار ممن نتهم باستقطابه بالعاطفة - وهم بالمناسبة بعض أبناء التيار وليسوا كلهم -
وهو ما يعكس قوة الإسلاميين وضخامة حشودهم بالمقارنة بمجموعة النخبة العلمانية الليبرالية التى انزوت واختفت وثبت تهافتها وانحسار المد العلماني وانزوائه بكل أطيافه ، ولحفظ ماء الوجه لجأوا لحيلة ما أسموه بيان الانسحاب نتيجة أن الإسلاميين خانوا الاتفاق ، وهى مجرد حيلة حاولوا بها مداراة فشلهم الذريع .
ثانياً : التغطية الإعلامية من الفضائيات الخاصة وتصريحات العلمانيين التى ملأت هذه الفضائيات فى يوم الجمعة ، وينتظر أن تملأها فى اليومين التاليين تثبت بما لا يدع مجالاً للشك عدم إنصاف العلمانيين ، وقدرتهم الهائلة على اللف والدوران وتزييف الحقائق والكذب والخداع ، وأبسط حججهم أن الإسلاميين خانوا الاتفاق ، مع أن أحداً لم يتفق على نوعية الشعارات أو الهتافات ، كذلك هم هاجوا وماجوا بسبب الهتافات عن تطبيق الشريعة وكأن تطبيق الشريعة هتاف فئوى لا يعبر عما دون بخانة الديانة ببطاقات هوياتهم والتى يكتب أمامها " مسلم " ؟؟؟؟ !!!!!!! ، ولم نسمع لهم صوتاً حين استأثر حفنة من العلمانيين بميدان التحرير على مدى شهر سابق صدعوا فيه رؤوسنا بالدستور أولاً أو المبادئ فوق الدستورية وخلافه من المطالب الفئوية غير المحايدة والتى تفرق لا تجمع ، والتى تعد بحق افتئاتاً على الإرادة الشعبية وانقلاباً على الديمقراطية التى يزعمونها ولم يحترمونها حين جاء استفتاء التعديلات الدستورية برأي لا يوافق أهواءهم أو رغباتهم .
ثالثاً : أعطت جمعة الاستقرار الأمل فى إمكانية توحد فصائل التيار الإسلامي فى عمل مشترك يخدم مصر ، ويخدم أجندتهم الإسلامية المعتدلة بما تحمله من قيم الحق والخير والحرية والعدالة لمصر وللعالم ، حيث توحدوا على مطالب وقواسم مشتركة بالتحرير دون تفرق أو تشرذم أو تنازع .
وعلى الرغم من تفاوت لهجة الخطاب والهتافات بين بعض الفصائل ، من حريص على شعارات الوحدة ومتعقل فى اختيار الهتافات إلى مصر على الإسفار عن الهوية بوضوح وببعض حدة فى هتافاته وشعاراته إلى مهاجم شديد الهجوم على التيارات الليبرالية والعلمانية .. أقول على الرغم من هذا إلا أن المشهد العام والتوحد على شعائر صلاة الجمعة وصلاة الغائب والحالة السلمية العامة والرقى فى التصرف والانضباط وعدم الاعتداء على أحد .. كلها أمور توافق عليها الإسلاميون وسلكوا بها سلوكاً حضارياً يستحق الإشادة من المحللين المحايدين .. إن وجدوا .
رابعاً : الحضور السلفي البارز ، ونزول السلفيين لميدان العمل السياسي العام من خلال المظاهرات ، وبهذا الحشد يعكس تطوراً نوعياً ونقلة إيجابية مطلوبة فى الفقه السلفي والتعامل مع أحداث الساعة ومستجدات الظروف ، وهو ما يعطى زخماً أكثر للحركة الإسلامية ، وحيوية للمشهد الإسلامي العام ، مع تحفظى الشخصي على بعض نوعيات الهتافات وأن بعضها قد لا يكون ملائماً لا لظروف الزمان ولا المكان .
خامساً : التنظيم الجيد والحراسة للداخل والخارج ورعاية أمن الميدان من قبل اللجان الشعبية والتى تشكلت فى مجملها من أفراد الإخوان المسلمين المحتسبين المنظمين والمنضبطين ، وما فيه من دلالات حضارية تحسب للمصريين كلهم وتنسجم مع الثورة ومبادئها وأخلاقها ، قبل أن تحسب للإخوان .
سادساً : استمرار روح الثورة وحيويتها بالشارع الذي هو - بعد الله سبحانه - خط الدفاع والحصن والأمان لهذه الثورة المباركة ، وهو - بعد الله عز وجل - الدثار الحقيقي لهذه الثورة المباركة ، وهو الفاعل الرئيسي بها ، وليس الميديا ولا الإعلام ولا الفضائيات الخاصة التى يتكئ عليها العلمانيون ، وكلما تمتع الشارع بالحيوية والنبض والحركة وكلما استمر فى الانتفاضة ، كلما كان هذا ضماناً حقيقياً ونجاحاً واستمراراً لتحقيق كافة مطالبها المشروعة .
سابعاً : تكاتف الإسلاميين وهتافاتهم التى حرصوا فيها على دعم الكيان الأخير الذى يضمن بقاء الدولة - لا النظام - وعدم دخولنا فى دائرة الفوضى ألا وهو الجيش بقيادة المجلس العسكري والحكومة الانتقالية المسيرة للأعمال ، وهو ما يدعم المجلس العسكري ويعطى له سنداً شرعياً ثورياً ، ويحفظ له هيبته حتى يتولى تسليم السلطة للحكومة المدنية القادمة بإذن الله .
مخاوف مشروعة
تلك كانت بعض الإيجابيات ، أما عن المخاوف ، وقبل أن أخوض فيها أنوه أن جيلي الذى تعود القهر والاضطهاد والاعتقال ، تعلم مع تلك الظروف أن يحتفظ دائماً بمساحة الحذر والخوف حتى تكون دافعاً له على الأخذ بالأسباب الموصلة للنجاح ولتحقيق أهدافه .
وأظن أن هذا يساير رؤية الشريعة التى تأمر المسلم دائماً بالاحتياط وأخذ الحذر ، من ذلك قول الله عز وجل : " يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفرو ثبات أو انفروا جميعاً " النساء : آية 71 .
ومنها قول الصديق رضى الله عنه : ( والله لا آمن ولو كانت إحدى قدماي فى الجنة ) ، وقول الفاروق رضى الله عنه : ( لست بالخب ، ولا الخب يخدعنى ) .
ولوا استطردت مع المخاوف لذكرت الكثير ولكنى أركز هنا على أهمها :
أولاً : لابد لنا من أن نتوقف وقفة مقارنة وحذر بين طيف المشهد المليونى الهادر الذى رأيناه وبين قول الله عز وجل : " ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين " التوبة : آية 25 .
فالله سبحانه علم المسلمين درساً بليغاً فى هذا الموقف الذى تعرض له صحابة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهم خير البشر بعد الأنبياء حين أعجبوا بكثرتهم وقالوا لن نغلب اليوم من قلة ، فكان ما كان من الهزيمة إلى أن عادوا لصوابهم وتذكروا أن ما بهم من نعمة فمن الله وأنه ما رميت إذ رميت ولكن الله رمي وأن النصر من عند الله فكان أن فتح الله لهم ونصرهم على عدوهم وجعل الغلبة لهم لما آبوا إلى رشدهم .
وفى هذا درس بليغ وحكمة سديدة للأمة من بعدهم ، فحين نظن أن كثرتنا هى العاصمة لنا وأننا لن نغلب عن قلة ، عندها يكون عدم التوفيق ، ولنعلم أن سر نجاحنا ومعيار تفوقنا هو تحققنا بقول الله عز وجل : " وما رميت إذ رميت ، ولكن الله رمى " الأنفال : آية 17 .
ثانياً : يتبع هذه النقطة رد الفعل الناجم عنها ، وهو أن ننخدع بهذا المظهر من القوة الذى بدونا عليه اليوم فننجر إلى استخدامه كمقياس لقوتنا وغلبتنا بين المصريين ، ثم نقوم ( نحن الإسلاميين أو فصيل منا ) من جراء ذلك بردود أفعال عاطفية عشوائية بالشارع فى مختلف البلاد كاستمرار التظاهرات أو انتشارها بمدن أخرى خلاف التحرير أو الدخول فى اعتصامات فئوية كما هدد البعض أثناء رمضان ، ولو فعلنا ذلك فسنكون مخطئين أشد الخطا ، فإن أقصى ما تشير إليها تظاهرة اليوم بالتحرير هو تفوق الإسلاميين على العلمانيين ، أما التواجد الحقيقي الحي بالشارع والتفوق والانتشار بين الناس واقتناع الناس بنا وبأفكارنا وقدرتهم على تحمل ضريبة فكرنا وعناء تكالب الأمم علينا ، فإن هذا له مقاييس مختلفة وتقديرات أخرى ليس هذا محلها ولا زمانها .
ثالثاً : المظهر الذى بدا عليه التحرير اليوم ، هو مظهر مثير ومستفز للقوى العالمية المتربصة بنا ، والتى تحيك لنا المؤامرات وتدبر لنا ليل نهار ، وعلى رأسها القوى الصهيونية الإسرائيلية والأمريكية ، وما تدبره لنا ونحن على مظهر من الاستضعاف أو حتى ونحن مستوري الحال عنهم ، بخلاف ما يدبرونه لنا وهم يرونا على هذا الشكل من القوة والحشد والتنظيم ، فالتدبير هنا أشد والدس سيكون أكبر ، وهو ما يفرض علينا عبء مزيد الحيطة والحذر والترقب الجيد لخطواتنا .
رابعاً : بعض المنصات - وأخص بالذكر منصة الشيخ حازم صلاح إبو إسماعيل - استخدمت لغير غرض اليوم ، حيث أصر منظموها على استخدامها كجزء من حملته الانتخابية التى لم يكون اليوم أوان أو مكان القيام بها أو إطلاقها كحملة ، وهذا مع بعض الهتافات الرعناء من آخرين والتى لم تكن مناسبة لليوم من الهجوم على بعض التيارات العلمانية والليبرالية ، كل هذا من أهم أسباب توجيه السباب لنا نحن الإسلاميين واتهامنا بأننا دعاة فرقة لا تجميع .
خامساً وأخيراً : هذا الحشد المليونى سيكون سبب - وقد تبين هذا خلال اليوم الأول للحشد - فى مزيد من الهجوم العلمانى الليبرالي المنظم من خلال الفضائيات ضد كل ما هو إسلامي ، مع اعترافى واعتقادى بتهافت منطقهم وعدم جدواه ، بل وحسرتهم المنتظرة على ما ينفقونه من أموال أو أوقات أو أعمار ، وقد أثبت الاستفتاء على تعديلات الدستور ذلك ، كما أكدته جمعة الإسلاميين والتى قدمت الدرس الموجز لثانى مرة عن أنهم بلا رصيد ، وأن قيمتهم بما يحملونه من منطق أو أفكار عند المصريين لا تساوى شيئاً ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
----------

