08/12/2010
هشام حمادة
انتهت الانتخابات بمشهد توقعناه.. اكتساح للحزب الوطني غير الجماهيري عن طريق التزوير والبلطجة.. المزوِّرون لم يتحلوا بنسبة من الذكاء، حتى النواب الأكثر شعبيةً وجماهيرية وتأثيرًا في حياة الحياة البرلمانية في مصر، أسقطوهم.
حتى الصفقات التي عقدوها مع بعض الأحزاب خانوها أمام رغبة الافتراس الشرهة التي فجَّروها في نفوس مرشحيهم.
عشرات من أفلام الفيديو المصوَّرة سُجلت بالرغم من التضييق الإعلامي والحصار المفروض على الصحف والفضائيات، مئات من اللقطات الفوتوغرافية، مئات الألوف من الشهود المصرِّين على أعمال البلطجة والتزوير، ملايين من المشاهدين لهذه الانتهاكات على شاشات جميع الفضائيات، وصمة عار أزلية على وجه النظام المصري الحاكم لن تزول إلا بماء النار.
لكن إذا سألنا مَن كسب ومَن خســر؟ فتلك هي المفاجأة، خسر الحزب الوطني والنظام الذي يمثِّله كلَّ شرف وكلَّ فضيلة يمكن أن يدعيها، خسر ما بقي من سمعة ومن أي شبح تبدَّى لفكرٍ جديد، خسر موقف مَن يمكن أن يتحالفوا معه في الداخل وخسر كلَّ احترامٍ أو رغبةٍ من التعاون معه في الخارج.
خسر النظام ما بقي من سمعته الدولية، وسيزداد الأمر سوءًا عندما تتصاعد قضايا التزوير لتصل إلى المحاكم الدولية وتكون مثار الإعلام العالمي.
خسر النظام أي ثقةٍ فيه داخليًّا أو خارجيًّا في أن يجري مرةً أخرى انتخابات حقيقية، وصلت الغرغرينا إلى أعماق ضمائر المسئولين، ولم يعد يجزئ فيها دواء ولا كيُّ، فقد دخلنا مرحلة المسئولين الكبار وقادة الأمم الكذابين، سواء قبل الانتخابات أو بعدها، يرفعون أصابعهم في تأكيدٍ شديدٍ على نزاهة الانتخابات لنفاجئ بأسوأ انتخابات تشهدها دولة في العالم العاشر، ويبلغ موات الضمير عند أحدهم أن يقول إن هذه الانتخابات هي أفضل ما مرَّ على مصر من الانتخابات وأن التاريخ سيسجل هذا.
هذا النفاق والكذب وموت حواس العدل والشرف والنزاهة في نفوس مَن يُعتَبرون مسئولين وقادة، وظهور ذلك في أعين الجميع صغارًا و كبارًا من طبقات الشعب كلها هو أحد المكاسب الكبرى للإخوان والمعارضة الشريفة في مصر، لقد تجرَّدوا من ثيابهم وأظهروا سوءات حيوانية غير آدمية، فلم يظهروا إلا كلَّ بشعٍ مقززٍ.
وهذه دون شك بداية النهاية التي أصبحت يقينًا، فأمثال هؤلاء ضررهم لا يقتصر على مواطنيهم فقط، بل هم بمثابة عارٍ وبلاءٍ على كل البشرية التي بلا شك سنشهد تنكرها منهم وتبرؤها في المرحلة القادمة.
كل مَن يحمل ضميرًا نبيلاً في مصر سواء اقترب منهم أو ابتعد لا بدَّ أن يأخذ موقفًا متنحيًّا عنهم، وسيقفون مع جنودهم بمعزلٍ عن جميع الشرفاء والوطنيين، والتاريخ يشهد بأن الجند في هذه الأحوال لا ينفعون، بل قد ينقلبون، فهم أولاً وأخيرًا جزءٌ من هذا الشعب المكلوم.
ولكن ماذا عن المرحلة القادمة؟ بدون شكٍ أصبح من اللازم أن تتحد فصائل المعارضة جميعًا في عملٍ وطني موحَّد تحت ضغط الكارثة الوطنية والضرورة الإنسانية شعارها هدف موحَّد وعمل دءوب من أجل دفع هذا البلاء الجاثم على صدر هذا الشعب الطيب.
يجب أن ينتقل الجميع إلى خندق الهجوم، على فصائل المعارضة، وعلى رأسهم الإخوان أن تنزل متماسكة الأيادي إلى الشارع، عليهم أن يواصلوا فضحه وتعريته؛ لأن المدَّ الشعبي سيتزايد مع الوقت وقوات الأمن مهما بلغ عتوها وتعدادها لا تطيل عمر نظامٍ يموت.
أعتقد أن من أهم مكاسب المعارضة الوطنية عقب هذه الانتخابات أن الشعب المصري صار مؤمنًا بوسائل كان يحذِّر منها من قبل، وأقول لِمَن لا يصدقون: انزلوا الشارع واسألوا الشباب بكل توجهاتهم: ما الحل؟ وستلقون إجابات قلما سمعتموها من قبل.
لقد أثبتت الأحداث وأشكال الرفض التي صدرت عن الجميع على إثر هذه الانتخابات أن هذا الشعب قد صار أكثر تقبلاً لفكرة التضحية واستخلاص الحق قسرًا من الظالم عن ذي قبل.
هذه الانتخابات هي علامة فارقة بين مرحلتين، واحدة انتهت وأخرى بدأت، والقانون الرباني يعلو فوق الجميع يغطي سقف المعركة القادمة: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (طه: من الآية 111).

