28 / 3 / 2010

بقلم : مسعد البربرى

أوقفتنى إشارة المرور قبالة المتحف المصرى حينما كنت أسير بسيارتى المتواضعة "جدا" فى شارع القصر العينى ليفاجئنى عسكرى المرور الذى يوشك أن يكون على المعاش فى غضون سنوات لا تتخطى أصابع اليد الواحدة واقفا بجوار شباك السيارة وهو يقول "رخصك يا أستاذ" فسألته عن السبب فأجاب "صاحبك مش شادد الحزام" وحينما هممت بإخراج رخصة القيادة من جيبى فإذا به يقول "خلص نفسك وامشى" فوجدتنى أحول يدى إلى جيبى الآخر لأخرج له خمسة جنيهات فردها لى وقال "مينفعش يا أستاذ" فأخرجت له خمسة جنيهات أخرى فأخذها على مضض وقال فى ثوب المتفضل "أحسن ما تدفع 150 جنيه" ، فشكرت له ذلك وانطلقت وأنا فى غاية الارتباك أشعر وكأن الدنيا كلها رأتنى وأنا أفعل ذلك،
حاولت أن أخرج من حالة الارتباك وأنهى الموقف فقلت لصاحبى "دى أول مرة فى حياتى أعمل كدا" ، فرد عليا "وأنت هتعمل أيه يعنى؟"، فسألته كيف تصنّف هذا الصنيع فقال "دى إتاوة"، حينها بدأت أشعر بالارتياح قليلا .. فقلت فى محاولة للحصول على مزيد من الارتياح "أنا قرأت أكثر من فتوى تتحدث عن مثل هذه الأمور"، حاولت أن أتذكر هذه الفتاوى ونصوصها ومن أفتى بها فأغلق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم علىّ باب التذكر فلم أجد سواه فى رأسى "الإثم ما حاك فى صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس"، خرجت من الأمر "مؤقتا" باستكمال ما كنت أتحدث فيه مع صاحبى من أمور قبل هذا الموقف،
وما أن نزل صاحبى من السيارة وجدتنى فى صراع نفسي تتنازعنى فيه اتجاهات متعددة فهاتف يطرح داخلى جملة تساؤلات "كيف فعلت ذلك؟!، وكيف استجبت بهذه البساطة لتكون جزءا من هذا الفساد الإدارى الذى لطالما تمنيت القضاء عليه؟!، لماذا تلوم على الكثيرين استجابتهم لطالبى الرشوة لقضاء مصالحهم ؟!، لماذا لم تكن على مستوى المسئولية لتحمل تبعات خطأك ؟!، تعلم يقينا أن الإصلاح يستحق التضحية والعنت وتحمل التبعات !!، .....
- فيرد عليه هاتف آخر "وانته هتعمل أيه يعنى ؟!، كدا كدا هتدفع هتدفع، لو الرخصة اتسحبت هتدفع دم قلبك وتدوخ السبع دوخات، ولو نزلت ورحت للضابط هتشيل كوم مخالفات، وهيه يعنى الفلوس اللى هتدفعها رسمى البلد بتستفيد منها ؟، يعنى هيه جات على دى ، عشره جنيه أيه يا أبو عشره جنيه بص شوف الملايين والمليارات ؟!، طب روح خلص أى خدمة كدا فى أى مصلحة وورينى شطارتك، ......
- وهاتف يقول "أنت غير مسئول عن هذا، النظام هو من يتحمل كامل المسئولية هو من أوصل هذا الرجل الذى قارب الستين على تلقى رشوة أو فرض إتاوات على المارة لأنه دخله لا يكفيه ورأى من يكفيه خله ويفيض ينهب ويسرق ولا حسيب أو رقيب ،
هو من أوجد هذا الجو الفاسد الذى لا يصلح للحياة وجعل منه جوا طبيعيا يعتاده الناس فالإشارات والجمل المختصرة "خلص نفسك" و دلالاتها معروفة مستساغة وتستعمل يوميا فى كل مكان، هو من جعل المواطن يتمنى ألا يذهب يوما لأى مصلحة حكومية ،
هو من جعل أى محامي تستفتيه فى أمر قانونى يرد عليك "خلص نفسك بعيد عن المحاكم وأقسام الشرطة مهما كانت الطريقة والتكاليف فهى أهون" لتصبح هذه الجملة أعظم الفتاوى القانونية،
هو من جعل المريض لا يستطيع أن يفكر فى الذهاب لمستشفى حكومي إلا إذا دفع مسبقا للطبيب فى عيادته حتى يجد سريرا ودواءا ومن قبلهم دورا متقدما فى طابور المنتظرين، .... قل فى ذلك ما تستطيع فلن تفى الكلمات للتعبير ولا الأوراق للكتابة ولا الأوقات للاطلاع ....
- لكنى ورغم كل المبررات وقفت أمام الحقيقة التى لا جدال فيها وهى أن حزام أمان هذا المجتمع هو ترك هذه السلبية والإصرار على الإصلاح والوقوف خلف المصلحين مهما كانت تكلفة ذلك وضريبته وعدم إلقاء كل منا باللائمة على غيرة والأخذ على يد المفسد وقيام كل منا بدوره لوقف هذا الانحدار لأجل مستقبل أولادنا وبلدنا وأمتنا فضلا عن القيام بدورنا الذى سوف نسأل عنه أمام الله تعالى كما علمنا نبينا الكريم فى حديث السفينة "... فلو تركوهم لهلكوا وهلكوا جميعا ولو أخذوا على أيديهم لنجوا ونجوا جميعا".