تواجه استراتيجية الطاقة المعلنة في مصر مأزقاً حقيقياً بعد تعثر تحويل مذكرات التفاهم الخاصة بالهيدروجين الأخضر إلى مشروعات تنفيذية، في ظل بقاء مليارات الدولارات حبراً على ورق دون تدفقات رأسمالية فعلية، بينما تتزايد الضغوط الاقتصادية مع تأجيل وإلغاء استثمارات مماثلة على الصعيد الدولي.
وتتصاعد التساؤلات بشأن جدوى استمرار الحكومة في تقديم تسهيلات سخية وضمانات سيادية لشركات أجنبية دون ضمان وصولها إلى مرحلة الإغلاق المالي، الأمر الذي يفرض ضرورة إعادة تقييم محفظة الاستثمارات بالكامل، مع احتساب تكلفة الموارد العامة المخصصة لتلك المشروعات في مواجهة الركود الاقتصادي الراهن.
وعود استثمارية ضخمة تصطدم بالواقع
وفي تفاصيل الأزمة، روجت الجهات التنفيذية لخطة تستهدف اقتناص حصة تتراوح بين 5% إلى 8% من التجارة العالمية بحلول عام 2040، مع توقيع اتفاقيات استثمارية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بطاقة تتجاوز 10 جيجاوات، غير أن الواقع يثبت عجز هذه التفاهمات عن تجاوز مراحلها النظرية الأولى.
وبناءً على ذلك، جاء قرار المجلس الوطني للهيدروجين الأخضر بمد سريان بعض مذكرات التفاهم لمدة عام إضافي ليعكس حجم الارتباك المؤسسي، حيث تجدد الدولة التزاماتها مع كيانات دولية دون الحصول على جداول زمنية محددة للتنفيذ، مما يحول الأراضي والمرافق الاستراتيجية إلى مجرد أصول مجمدة لسنوات طويلة.
وفي السياق ذاته، منحت السلطات حوافز ضريبية غير مسبوقة تصل إلى 55% من قيمة الضريبة المستحقة مع إعفاءات جمركية شاملة، وتطبيق نظام الرخصة الذهبية لتجاوز الإجراءات الرقابية، غير أن تلك الامتيازات الهائلة لم تفلح حتى الآن في جذب سيولة نقدية حقيقية تدعم الاحتياطي النقدي المنهك.
وعلاوة على هذا، تقتصر الإنجازات المعلنة على مشروع محطة العين السخنة بالشراكة مع "سكاتك" النرويجية و"فيرتيجلوب" وأوراسكوم للإنشاءات، بينما تظل بقية الاتفاقيات الضخمة مجرد خطط افتراضية مع شركات كبرى مثل "بي بي" ومصدر الإماراتية، دون وصول أي منها إلى مرحلة الإغلاق المالي النهائي أو التوريد الفعلي.
وبالتوازي مع تلك التعقيدات، يوضح أستاذ هندسة الطاقة والبترول الدكتور رمضان أبو العلا أن التوسع في إبرام مذكرات التفاهم دون تدقيق مالي وقانوني يمنح الشركات الدولية ميزة المضاربة بالأراضي والفرص الاستثمارية، مؤكداً على أن الفجوة تتسع بين الأرقام الدعائية المعلنة والعائد الإنتاجي الحقيقي المتحقق على أرض الواقع.
واستناداً إلى الواقع القائم، فإن الخطط الترويجية الرامية لإنتاج نحو 5.8 مليون طن سنوياً بحاجة إلى مكاشفة شاملة من قِبل إدارة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، لبيان حجم الالتزامات المالية والضمانات السيادية التي تحملتها الخزانة العامة، في وقت تفتقر فيه المشروعات لعقود شراء ملزمة تضمن تسويق الإنتاج مستقبلاً.
نزيف الموارد وتكلفة الفرصة البديلة
وعلى صعيد الموارد، تفرض صناعة الهيدروجين استهلاك كميات هائلة من الطاقة المتجددة والمياه المحلاة والشبكات الكهربائية القومية، وهو ما يثير قلقاً بالغاً بشأن تكلفة الفرصة البديلة لاستنزاف تلك الموارد الحيوية لصالح التصدير الخارجي، بدلاً من توجيهها لسد العجز المزمن في قطاع الكهرباء المحلي والمنظومة الصناعية القائمة.
واتصالاً بهذه المعضلة، تلتزم الدولة بضخ استثمارات رأسمالية ضخمة في البنية التحتية والموانئ لخدمة مناطق المشروعات في جرجوب وشرق بورسعيد، مما يحمل الموازنة العامة أعباء اقتراض إضافية في وقت تعاني فيه البلاد من ضائقة ديون خانقة، دون وجود عائد تنموي فوري يبرر استمرار تدفق هذا الإنفاق غير المحسوب.
فضلاً عن ذلك، يمثل استهداف رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى أكثر من 42% تحدياً هندسياً ومالياً غير مضمون، إذ يجري توجيه القدرات الجديدة للمحللات الكهربائية الأجنبية، بينما تعجز الشبكة القومية عن استيعاب الأحمال وتتعرض محطات التوليد المحلية لنقص إمدادات الوقود الأحفوري، مما يضاعف خسائر الاقتصاد الكلي للمواطنين.
وفي هذا الصدد، يؤكد المستشار المالي والاقتصادي الدكتور وائل النحاس أن التوسع في منح الأراضي الشاسعة بالمجان أو بأسعار رمزية يعطل استغلالها في مشاريع إنتاجية ذات عوائد سريعة، مشيراً إلى أن غياب الشفافية في تقييم تكلفة البنية التحتية الممولة حكومياً يمثل هدراً فادحاً للمال العام لصالح شركات عابرة للقارات.
وبناءً على هذه التقديرات، تصطدم طموحات تحويل مصر لمركز تصدير بمخاطر تحميل الخزينة تكاليف تحلية مياه البحر ومعالجتها، حيث تتطلب العمليات الكيميائية ملايين الأمتار المكعبة الصالحة للصناعة، في بلد يواجه شحاً مائياً قاسياً، لافتاً إلى أن تخصيص تلك الموارد لإنتاج طاقة رخيصة للخارج يفتقر للعدالة التوزيعية والمنطق الاقتصادي السليم.
إضافة إلى ذلك، تثير التسهيلات الجمركية والضريبية الممنوحة شكوكاً حول الجدوى التنموية الحقيقية لهذه الاستثمارات، إذ تستورد الشركات أغلب معداتها الرأسمالية دون توطين تكنولوجي حقيقي، معتمدة على إعفاءات تامة تحرم ميزانية الدولة من موارد ضريبية مؤكدة، بينما تذهب أرباح التشغيل بالعملة الصعبة مباشرة إلى حسابات الشركاء الأجانب بالخارج.
ركود السوق الدولية يعطل تدفق الأموال
وعلى المستوى الدولي، تراجعت الحماسة العالمية لمشروعات الهيدروجين النظيف بفعل الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج وأسعار الفائدة المرتفعة، مما أدى إلى تجميد وإلغاء عشرات المشروعات الكبرى في أوروبا وأمريكا، وهو ما أسقط الافتراضات المتفائلة التي بنت عليها الحكومة حساباتها للسيطرة على حصص سوقية دولية واسعة.
ونتيجة لهذا التراجع، تشهد الأسواق الأوروبية تباطؤاً ملحوظاً في الطلب على الوقود الأخضر المستورد، بسبب عجز الشركات عن تحمل فروق الأسعار مقارنة بالوقود التقليدي، الأمر الذي يعرقل توقيع اتفاقيات شراء إلزامية طويلة الأجل، ويجعل مصير مشروعات السخنة وجرجوب مرهوناً بإعانات حكومية غربية لم تعد مضمونة في الوقت الراهن.
وفي ضوء تلك المتغيرات، يرى استشاري الطاقة وتغير المناخ المهندس ماهر عزيز أن الرهان على تدفق استثمارات أجنبية مباشرة في هذا القطاع يواجه عقبات تمويلية هيكلية، مشدداً على ضرورة ربط أي التزام حكومي بوجود شركاء يضمنون التمويل الذاتي والإغلاق المالي، تفادياً لتكرار أزمات المشروعات المعطلة التي تستنزف الموارد دون عائد.
واستكمالاً للرؤية التحليلية، باتت المطالبات ملحة بإجراء مراجعة شاملة لجميع مذكرات التفاهم، ووقف التوسع في تقديم ضمانات الدفع السيادية التي تكبل الأجيال القادمة، خاصة أن الترويج الإعلامي لمليارات الاستثمارات لم يقابله سوى تدفقات محدودة للغاية، عاجزة عن خلق فرص عمل واسعة أو إحداث تحول نوعي في هيكل الصادرات.
وإزاء تلك التحديات، تقتضي المصلحة الوطنية التوقف عن سياسة الهروب للأمام بتوقيع بروتوكولات صورية لتهدئة الرأي العام، وإلزام الأجهزة الحكومية بتقديم كشف حساب دقيق يحدد حجم المشروعات الحية والمشروعات الميتة، لحماية الأراضي والمرافق الاستراتيجية من الارتهان لتعهدات غير ملزمة تدفع الخزانة ثمنها الباهظ في نهاية المطاف.

