عبد الحافظ الصاوي
خبير اقتصادي مصري
أظهرت نتائج انتخابات مجلسي النواب والشيوخ في الولايات المتحدة مدى استياء المجتمع الأميركي من أداء إدارة الرئيس دونالد ترامب على الصعيدين الداخلي والخارجي، إذ فقد الجمهوريون الأغلبية التي تمتعوا بها خلال الفترة الماضية في المجلسين. ووفق ما نقلته وسائل الإعلام، أقرّ ترامب بأن حرب إيران كانت سببًا في فقدان حزبه الأغلبية وهزيمته في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ، وهو ما ستكون له عواقب شديدة في المرحلة المقبلة على صلاحيات ترامب، إذ سيعرقل العديد من قراراته.
كانت عبارة "إنه الاقتصاد يا غبي" الأشهر في الحملة الانتخابية للرئيس الأسبق بيل كلينتون في مواجهة جورج بوش الأب، حين ترشح لولايته الأولى. وقد لامست هذه العبارة مشاعر المواطنين الأميركيين وكانت سببًا في فوز كلينتون، لأن الأميركيين يوصفون بأنهم شديدو المحلية، تنصرف اهتماماتهم بدرجة كبيرة إلى احتياجاتهم الداخلية، ولا يولون ما يجري خارج بلادهم الاهتمام الكافي.
والرسالة الموجهة إلى ترامب في ضوء خسارته الواضحة في الانتخابات أن الأميركيين كرروا هذه المقولة، بسبب ما لحق بهم من أضرار على الصعيد الداخلي، من ارتفاع معدلات التضخم، وإرباك لتوجهات مجلس الاحتياطي الفيدرالي في السياسة النقدية، وهو ما ظهر بوضوح في سعر الفائدة وصعوبة خفضه بسبب ارتفاع التضخم.
وتشير الإحصاءات الرسمية الأميركية إلى أن معدل التضخم بلغ 3.6% بنهاية سبتمبر الماضي، وهو ما حال دون خفض سعر الفائدة. بل الأدهى أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد يحتاج إلى رفع سعر الفائدة مرتين خلال الفترة المقبلة، بمقدار ربع نقطة في كل مرة. ويتراوح سعر الفائدة في الولايات المتحدة حاليًا بين 3.75% و4%.
ومن المظاهر التي أضعفت الاقتصاد الأميركي خلال ولاية ترامب الثانية تراجع قيمة الدولار، من دون أن يتبنى ترامب سياسات اقتصادية تمكّنه من الاستفادة من ذلك عبر زيادة الصادرات الأميركية، أو تقوية القاعدة الإنتاجية بما يسد جزءًا كبيرًا من العجز التجاري. وفضلًا عن ذلك، ألحق ترامب ضررًا كبيرًا بالعملة الأميركية، إذ اتجهت بعض الدول إلى التخلي تدريجيًا عن الاحتفاظ بالدولار ضمن احتياطيات بنوكها المركزية، ما ساعد بشكل ملحوظ على إحلال الذهب محل الدولار.
ودلالة ذلك تتعلق باختلال ميزان الصراع الأميركي الصيني لصالح الصين، إذ إن من مصلحة بكين أن ينصرف أكبر عدد ممكن من الدول عن العملة الأميركية، بما يُضعف سلطة واشنطن على مقدرات الاقتصاد العالمي.
وأربكت سياسة الحماية التجارية التي ينتهجها ترامب حركة التجارة العالمية، إذ أفرط في فرض الرسوم الجمركية على العديد من الدول، ومعظمها يرتبط بتجارة كبيرة مع الولايات المتحدة، مثل كندا واليابان والبرازيل والاتحاد الأوروبي، فضلًا عن الصين. فمن جهة، أبطل القضاء الأميركي العديد من هذه الرسوم، ومن جهة أخرى تراجع ترامب نفسه عن فرضها بالقدر الذي أعلنه في المرات الأولى، إذ نجده يعود بعد فترة غير طويلة إلى خفض الرسوم المفروضة على هذا البلد أو ذاك، وهو ما يوحي بغياب استراتيجية أو سياسة واضحة لدى الولايات المتحدة في عهد ترامب.
ومما يدل على خيبة الآمال المعقودة على سياسة ترامب الحمائية أن العجز التجاري للبلاد ظل عند 1.2 تريليون دولار بنهاية عام 2025، إذ لم تؤدِّ هذه السياسة إلى تقليص الواردات أو زيادة الصادرات بشكل ملحوظ. ويصف بعضهم أداء ترامب في السياسة الاقتصادية عمومًا، والسياسة التجارية خصوصًا، بأنه هروب إلى الأمام. فعلى صعيد سعر الفائدة، يسعى إلى التدخل في صناعة السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، عبر محاولات خفض سعر الفائدة بقرار إداري، من دون إدراك الجوانب الفنية وما يترتب على مثل هذا القرار في ظل ارتفاع معدلات التضخم.
كما هدد ترامب أكثر من مرة بفرض رسوم جمركية على الدول التي ترغب في التخلي عن الدولار. وبدلًا من أن يضع سياسات اقتصادية تمكّنه من مواجهة منافسيه وتعزز موقف الاقتصاد الأميركي أمام الاقتصادات الأخرى، يلجأ إلى القرارات الإدارية برفع الرسوم الجمركية على الدول الأخرى، رغم مخالفة هذه القرارات لاتفاقيات منظمة التجارة العالمية.
أدت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران نهاية فبراير/شباط 2026 إلى تداعيات اقتصادية سلبية على الولايات المتحدة بشكل خاص، وعلى الاقتصاد العالمي بشكل عام. وكان التأثير الأكبر والأسرع على المواطن الأميركي متمثلًا في ارتفاع أسعار النفط، ما أطلق موجة من ارتفاع معدلات التضخم لم تهدأ بعد.
وقد وضع ترامب نفسه في مواجهة مع الرأي العام في ما يتعلق بالتكلفة الاقتصادية للحروب، سواء من خلال التدخل المباشر والدعم الكبير للكيان الصهيوني في حربه لإبادة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، أو من خلال الحرب على إيران. وكعادته، حاول ترامب صرف أنظار الرأي العام عشية انتخابات مجلسي النواب والشيوخ، بالإعلان عن وقف الدعم الأميركي لإسرائيل، المقدر بنحو 4 مليارات دولار سنويًا، لعلمه بمدى تأثر الرأي العام في بلاده سلبيًا بممارسات الكيان الصهيوني في إبادة الشعب الفلسطيني في غزة.
لقد كان للحراك الطلابي في الجامعات الأميركية دور كبير في كشف حجم الدعم الأميركي لإسرائيل في حربها على غزة، سواء الدعم الحكومي أو استثمارات الجامعات وشركات القطاع الخاص. فقد قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل في الأيام الأولى من الحرب على غزة قروضًا بنحو 8 مليارات دولار، فضلًا عن الدعم بالأسلحة بكميات مفتوحة.
وأدى هذا الدعم إلى اهتزاز صورة الولايات المتحدة على المستوى العالمي، ولا سيما على الصعيد الإنساني، فضلًا عن تحميل دافعي الضرائب الأميركيين نفقات حروب ليست في صالحهم، بل جاءت نتائجها ضد مصالحهم. كما اهتزت صورة الولايات المتحدة عسكريًا بعد إخفاقها في حسم حربها ضد إيران، وظهور إيران في صورة الدولة التي تمكنت تكنولوجيًا من مواجهة التكنولوجيا الأميركية، إذ أُصيبت حاملة الطائرات الأميركية بخسائر كبيرة، فضلًا عن إسقاط العديد من الطائرات الأميركية المتقدمة.
وهو ما مكّن إيران من امتلاك ورقة استراتيجية لم تكن متاحة لها من قبل، هي التحكم في شريان التجارة العالمية عبر مضيق هرمز. وقد كشفت السيطرة الإيرانية على المضيق كذب ترامب أمام الرأي العام العالمي والأميركي، إذ ادعى أكثر من مرة أنه سيطر على مضيق هرمز، بينما تفجّر إيران السفن التي تخالف تعليماتها للمرور، أو تمنع الملاحة في المضيق وتوقفها.
ومن المتوقع أن تكون مهمة ترامب صعبة في ما تبقى من ولايته الثانية، سواء في القرارات المتعلقة بالسياسات الاقتصادية أو بالاستمرار في الحرب، وهو ما يعني تقييد يده في كثير من الملفات الاقتصادية والمالية. إذ ستشكل مصالح المواطنين ضغطًا عليه من خلال صعوبة تمرير القرارات في مجلسي الشيوخ والنواب، وقد ينعكس ذلك في تهدئة الأوضاع في ما يتعلق بالحرب على إيران، أو التوصل إلى اتفاق لإنهائها، ومن ثم تراجع أسعار النفط، وبالتالي تراجع معدلات التضخم التي أرهقت المواطن الأميركي خلال الفترة الماضية.
ومن المتوقع، في حال راجع ترامب وصانعو السياسة الاقتصادية الأميركية ما جرى خلال الفترة الماضية وتراجعوا عن القرارات الخاطئة، أن يؤدي ذلك إلى تحسن أداء المؤشرات الاقتصادية الكلية عالميًا، وإلى نظرة أكثر تفاؤلًا بشأن أداء الناتج المحلي العالمي، أو الأمل في استقرار اقتصادي عالمي تنعكس آثاره إيجابيًا على معظم اقتصادات العالم.

