احتفلت النائبة الديمقراطية إلهان عمر بفوزها بولاية جديدة في مجلس النواب الأمريكي عن ولاية مينيسوتا، في انتصار انتخابي حمل رسائل سياسية مباشرة إلى الرئيس دونالد ترمب، الذي شن عليها هجمات متكررة خلال الفترة الماضية، بالتزامن مع تحقيقات استهدفت وضعها القانوني وجنسيتها الأمريكية.

 

وجاء فوز عمر في انتخابات التجديد النصفي ليعزز حضور الأصوات المسلمة والعربية داخل المؤسسات التشريعية الأمريكية، بعدما نجح عدد من المرشحين الذين تعرضوا لانتقادات وهجمات من ترمب في الاحتفاظ بمقاعدهم أو انتزاع مقاعد جديدة، في مشهد اعتبره ناشطون ومراقبون مؤشرا على رفض قطاعات من الناخبين خطاب الكراهية والاستهداف على أساس الهوية والأصول.

 

وقالت إلهان عمر، عقب إعلان النتائج، عبر حسابها على منصة «إكس»: «شكرا مينيسوتا! أشعر بشرف عظيم لمواصلة تمثيلكم في بيت الشعب بتفويض مدوّ. لن نسمح لترمب بإسكاتنا».

 

وجاءت تصريحات النائبة الديمقراطية بنبرة تحدٍّ واضحة للرئيس الأمريكي، في ظل المواجهة السياسية الممتدة بينهما، والتي تصاعدت خلال السنوات الأخيرة بسبب مواقفها السياسية وانتقاداتها لسياسات الإدارة الأمريكية، ولا سيما ما يتعلق بالهجرة والقضايا الخارجية والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

 

احتفالات صومالية بعد الفوز


وعقب إعلان فوزها، انتشرت مقاطع فيديو لإلهان عمر وهي تحتفل بانتصارها الانتخابي على أنغام الأغاني التراثية الصومالية، في مشاهد عكست اعتزازها بأصولها الصومالية وهويتها الثقافية، بالتزامن مع تجديد ثقة الناخبين بها لمواصلة تمثيلهم في مجلس النواب.

 

واكتسبت الاحتفالات دلالة سياسية إضافية، بالنظر إلى الحملات التي استهدفت النائبة ذات الأصول الصومالية، والتي لم تقتصر على انتقاد مواقفها السياسية، بل امتدت إلى التشكيك في أحقيتها بالبقاء داخل الولايات المتحدة، ومحاولات إثارة الجدل بشأن ظروف حصولها على الجنسية الأمريكية.

 

وتُعد إلهان عمر واحدة من أبرز الشخصيات المسلمة في السياسة الأمريكية، إذ دخلت مجلس النواب في يناير 2019، لتصبح من الوجوه البارزة في التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، كما ارتبط اسمها بمواقف ناقدة للسياسات الإسرائيلية، خصوصا خلال الحرب على قطاع غزة.

 

ومنذ وصولها إلى الكونجرس، واجهت عمر انتقادات وهجمات متكررة من شخصيات جمهورية، وعلى رأسها ترمب، الذي جعل منها في مناسبات عدة هدفا لخطابه السياسي، مستغلا خلفيتها المهاجرة ومواقفها بشأن قضايا الهجرة والسياسة الخارجية.

 

تحقيقات لسحب الجنسية الأمريكية


ولم يكن الاحتفاظ بالمقعد الانتخابي التحدي الوحيد الذي واجهته إلهان عمر خلال الفترة الأخيرة، إذ تزامن السباق الانتخابي مع تقارير عن تحقيقات تجريها إدارة ترمب بشأن ظروف حصولها ووالدها الراحل على الجنسية الأمريكية، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن استخدام المؤسسات الحكومية في استهداف الخصوم السياسيين.

 

وكشفت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلا عن مسؤولين، أن إدارة ترمب كانت تجري تحقيقات تستهدف، بحسب ما نقلته الصحيفة، بناء قضية قانونية متكاملة لسحب الجنسية الأمريكية من النائبة الديمقراطية، تمهيدا لترحيلها خارج البلاد.

 

وركزت التحقيقات، وفق التقرير، على مراجعة الإجراءات والملابسات المرتبطة بحصول عمر ووالدها على الجنسية الأمريكية بعد هجرتهما من الصومال، وهو الملف الذي أعاد إلى الواجهة اتهامات سابقة أثارتها شخصيات محافظة بشأن تاريخها العائلي والهجرة إلى الولايات المتحدة.

 

وواجهت عمر هذه الاتهامات بالنفي، ووصفت إجراءات التدقيق بأنها امتداد لحملات سياسية وعنصرية تستهدفها بسبب أصولها ومواقفها، معتبرة أن محاولات التشكيك في وضعها القانوني تأتي ضمن مساعٍ لإسكات صوتها وإبعادها عن المشهد السياسي.

 

وأعاد الكشف عن التحقيقات الجدل بشأن حدود صلاحيات الإدارة الأمريكية في التعامل مع ملفات الجنسية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشخصيات منتخبة تتمتع بحضور سياسي واسع، وتتبنى مواقف معارضة للرئيس والحزب الحاكم.

 

كما وضع توقيت هذه التحقيقات إدارة ترمب أمام انتقادات تتعلق بتسييس الملفات القانونية والهجرة، في ظل اعتبار مراقبين أن استهداف نائبة منتخبة بهذه الإجراءات يثير تساؤلات بشأن توظيف مؤسسات الدولة في الصراع الحزبي.

 

صعود المرشحين المسلمين والعرب


وامتدت المكاسب الانتخابية إلى ما هو أبعد من ولاية مينيسوتا، إذ شهدت انتخابات التجديد النصفي حضورا لافتا لمرشحين مسلمين وعرب، بعضهم كان هدفا مباشرا لهجمات ترمب وانتقاداته خلال الحملات الانتخابية.

 

واحتفظت النائبة الديمقراطية رشيدة طليب بمقعدها في مجلس النواب، مستندة إلى دعم انتخابي مكّنها من مواصلة حضورها داخل الكونجرس، رغم الحملات السياسية التي تعرضت لها بسبب مواقفها من الحرب الإسرائيلية على غزة وانتقاداتها للحكومة الإسرائيلية.

 

كما حقق الطبيب آدم حموي فوزا انتخابيا في ولاية نيوجيرسي، ليصبح أول مسلم يمثل الولاية في مجلس النواب، في تطور عزز الحضور السياسي للمسلمين داخل المؤسسات التشريعية الأمريكية، وفتح المجال أمام تمثيل أوسع للتنوع الديني والثقافي في الحياة السياسية.

 

وفي سياق المكاسب نفسها، انتزع عبد الرحمن السيد مقعدا في مجلس الشيوخ، ليضيف فوزه بعدا جديدا إلى نتائج المرشحين من أصول عربية ومسلمة، ويعزز حضور هذه الفئة في المؤسسات السياسية الأمريكية، بعدما ظل تمثيلها محدودا مقارنة بحجم مشاركتها في المجتمع.

 

كما أظهرت قدرة هؤلاء المرشحين على تحويل الهجمات السياسية إلى قضية انتخابية، من خلال التركيز على ملفات المعيشة والحقوق والحريات والسياسة الخارجية، بدلا من الاكتفاء بالدفاع عن أنفسهم أمام الاتهامات التي يطلقها خصومهم.

 

هزيمة سياسية لخطاب ترمب


وأثارت النتائج تفاعلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وصف ناشطون ومراقبون ليلة الانتخابات بأنها تاريخية، معتبرين أن نجاح عدد من المرشحين الذين تعرضوا لهجمات ترمب يمثل رسالة سياسية ضد خطاب الإقصاء والكراهية.

 

وركزت تعليقات متداولة على المفارقة بين الحملات التي استهدفت إلهان عمر ورشيدة طليب وغيرهما من المرشحين، وبين النتائج التي أظهرت احتفاظ بعضهم بمقاعدهم أو تحقيقهم انتصارات جديدة.

 

ورأى مدونون أن الناخبين لم يستجيبوا بالضرورة لمحاولات تحويل أصول المرشحين أو ديانتهم إلى أدوات انتخابية ضدهم، بل منحوا بعض أبرز المستهدفين من ترمب تفويضا جديدا لمواصلة العمل داخل المؤسسات التشريعية.

 

حرب إيران في حسابات الانتخابات


ولم تقتصر قراءات نتائج الانتخابات على الصراع الداخلي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، إذ ربطت أوساط سياسية بين تراجع الجمهوريين وتداعيات السياسة الخارجية الأمريكية، وعلى رأسها الحرب مع إيران، التي أصبحت أحد الملفات المؤثرة في تقييم الناخبين لأداء إدارة ترمب.

 

وأثارت الحرب تساؤلات بشأن كلفتها السياسية والاقتصادية، وانعكاساتها على أولويات الإدارة الأمريكية، في وقت تواجه فيه واشنطن تحديات داخلية تتعلق بالاقتصاد والإنفاق العام والملفات الاجتماعية.

 

وتزامن ذلك مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى سياسات ترمب الخارجية، خصوصا من جانب شخصيات ديمقراطية تتبنى مواقف معارضة للتصعيد العسكري، وتطالب بإعادة ترتيب أولويات الولايات المتحدة والتركيز على القضايا الداخلية.

 

وفي هذا السياق، تداول ناشطون تعليقات ساخرة بشأن انعكاسات النتائج الانتخابية على العلاقة بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في إشارة إلى تزايد الأصوات الديمقراطية المعارضة للسياسات الإسرائيلية داخل الكونجرس.

 

ويكتسب هذا التطور أهمية بالنسبة إلى نتنياهو، في ظل اعتماد الحكومة الإسرائيلية بدرجة كبيرة على الدعم السياسي والعسكري الأمريكي، وما يمكن أن يترتب على تغير موازين القوى داخل الكونجرس من ضغوط بشأن المساعدات العسكرية والحرب على غزة والسياسات الإسرائيلية في المنطقة.