تبددت أحلام آلاف الحاجزين في مشروعي بو آيلاند وبو ساندس بالساحل الشمالي، بعد تعثر شركة مكسيم في التنفيذ، لتتحول وعود التسليم إلى سراب يبتلع أموالهم، تاركا مستقبلهم معلقا في مهب الريح.
كما تفاقمت المأساة حين تدخلت شركة ذا مارك بوعود جديدة، لتدخل القضية نفقا مظلما من التسويات المالية والنزاعات، وسط غياب تام للشفافية ومحاسبة المتسببين الحقيقيين عن هذه الكارثة الاستثمارية.
استحواذ غامض يهدد حقوق المشترين
وبالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت ذا مارك في أغسطس 2024 استحواذها الكامل على أراضي المشروعين، ممررة تسويات مبهمة بلغت 4 مليارات جنيه، دون توضيح مصير العقود السابقة.
بينما تُرك أصحاب نحو 2000 وحدة سكنية وسياحية يواجهون مصيرا مجهولا، تتلاعب الشركات بحقوقهم وسط تواطؤ مؤسسي يعفي المطورين من التزاماتهم، ويحمل المواطن وحده ضريبة هذا الفشل.
ولذا، تبرز التساؤلات حول جدوى ضخ 3 مليارات جنيه إضافية لإحياء المشروعين، في ظل غياب ضمانات حقيقية تحمي أموال العملاء من الضياع بدهاليز هذه الصفقات المشبوهة.
وفي هذا السياق، يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة الدكتور أحمد النجار أن الاستحواذات الأخيرة تمثل التفافا صريحا على القوانين، لتصفية التزامات الكيانات المتعثرة على حساب مدخرات المواطنين المنهوبة.
ومع توالي هذه الصفقات، يغيب الدور الرقابي لهيئة المجتمعات العمرانية، تاركة الساحة خالية لحيتان العقارات للتلاعب بملكيات الأراضي، وتدوير الأزمات بدلا من وضع حلول جذرية تضمن التسليم.
وبناء على ذلك، تظل حقوق الحاجزين رهينة لتصريحات إعلامية براقة لا تسمن ولا تغني من جوع، في وقت إهدار المليارات تحت مظلة التطوير وإعادة الهيكلة المزعومة.
شراكة صندوق تحيا مصر الملتبسة
ومع حلول نوفمبر 2026، طفت على السطح تقارير تتناول دخول صندوق تحيا مصر كشريك أساسي، في خطوة تثير الريبة حول تحويل مسار المشروع لخدمة جهات سيادية بعينها.
حيث ينص التصور المتداول على اقتطاع 70 فدانا لصالح الصندوق، من إجمالي 900 فدان، ليتقاسم عوائد خيالية تتجاوز 150 مليار جنيه، تاركا الفتات لإنقاذ مشتري الوحدات.
في حين تتجاهل هذه الشراكة الاستثمارية مصير العقود القديمة، وتتعامل مع أراضي الساحل الشمالي كغنائم توزع بين الأطراف النافذة، بعيدا عن أي اعتبارات قانونية أو أخلاقية للمتضررين.
ومن جانبه، يؤكد الخبير العقاري المهندس طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري، أن تدخل الصناديق السيادية بمشروعات متعثرة يخلق خللا تنافسيا، ويفرض شروطا مجحفة تعرقل استرداد الحقوق.
بناء على تلك المعطيات، يتحول صندوق تحيا مصر من مظلة تنموية لكيان استثماري يزاحم القطاع الخاص، مستفيدا من نفوذ مؤسسات الدولة للاستحواذ العقاري بأبخس الأثمان الممكنة.
كما أن نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي يسخر أدوات الدولة وصناديقها لابتلاع الثروات العقارية، متجاهلا صرخات المواطنين الذين فقدوا مدخراتهم بمشاريع وهمية تحميها السلطة الحاكمة.
سحب الأراضي وضياع أموال الحاجزين
وفي سياق متصل، تتردد أنباء قوية عن سحب أراضي المشروعين بالكامل من ذا مارك، مما يضع آلاف الأسر أمام سيناريو كارثي ينسف أي أمل باستلام العقار.
إذ تعني خطوة السحب إلغاء كافة الالتزامات السابقة، وبدء تخصيص جديد لجهات أخرى، لتبدأ دورة جديدة من الاستنزاف المالي وبيع الوهم للمواطنين بمسميات استثمارية مختلفة تماما.
وهنا، يوضح أستاذ القانون التجاري بجامعة عين شمس الدكتور محمد المرسي أن سحب الأراضي يمثل إعداما قانونيا للعقود المبرمة، ويهدر المليارات التي دفعها الحاجزون دون تعويض عادل.
وبينما تحاول الشركات التنصل من مسؤولياتها، تستغل الجهات الحكومية هذه الثغرات لفرض هيمنتها على المشاريع، وإعادة طرحها بأسعار مضاعفة لتحقيق مكاسب فاحشة على حساب جثث الضحايا المتضررين.
فضلا عن ذلك، تؤكد خطة استثمار 12 مليار جنيه التي روج لها مسبقا، هشاشة المنظومة العقارية التي تعتمد على تدوير الأموال الوهمية دون وجود أصول صلبة.
وفي النهاية، تبقى أزمة الساحل الشمالي شاهدا على فشل إداري ذريع، لتصبح حقوق المواطنين مجرد أرقام تشطب بجرة قلم لتمرير صفقات مشبوهة تخدم مصالح كبار المنتفعين.

