أكد الكاتب د. مصطفى البرغوثي، الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية وأحد مؤسسي المقاومة الشعبية، أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي جرت الثلاثاء الماضي حملت تحولات سياسية ونفسية بعيدة المدى، يصعب أن تمحو آثارها التصريحات التي يطلقها بنيامين نتنياهو وحلفاؤه، أو محاولاتهم تقديم النتائج باعتبارها انتصارًا لمعسكرهم. وأوضح أن أبرز دلالات هذه الانتخابات تمثلت في إخفاق نتنياهو وائتلافه في الحفاظ على الأغلبية، بعدما تراجع عدد مقاعد معسكره من 68 إلى 53 مقعدًا، بخسارة بلغت 15 مقعدًا، وهو ما وصفه بالفشل المدوي.
وأضاف البرغوثي أن نتنياهو لم ينجح، وفق قراءته، إلا في ممارسة ما يجيده من انتزاع مقاعد من حلفائه، بهدف جعل حزب «الليكود» صاحب العدد الأكبر من المقاعد، غير أن ذلك لن يغير حقيقة المشهد، ما دام المعسكر المناهض له يمتلك عددًا أكبر من المقاعد، بما يضعف فرصه في الاستمرار بالاعتماد على نتائج الانتخابات وحدها.
وتناول الكاتب ما اعتبره النتيجة الأبرز الثانية، والمتمثلة في فوز الجماهير الفلسطينية داخل إسرائيل وأحزابها، بعدما حققت نتيجة غير مسبوقة بحصولها على 19 مقعدًا. ورأى أن هذه النتيجة تمثل إنجازًا سياسيًا لافتًا، إذ باتت الكتلتان الصهيونيتان عاجزتين، كل على حدة، عن تشكيل حكومة من دون الاستعانة بأصوات الفلسطينيين العرب.
واستعرض البرغوثي الأبعاد النفسية والسياسية والوطنية لهذا الإنجاز، مؤكدًا أنه يعكس تحولًا في مكانة الجماهير الفلسطينية داخل إسرائيل، التي أصبحت، بحسب تقديره، قوة سياسية مؤثرة تتمتع بثقة أكبر في قدرتها على مواصلة النضال ضد الاضطهاد العنصري ومنظومة الفصل العنصري الإسرائيلية «الأبارتهايد».
19 مقعدًا تعيد رسم الحضور الفلسطيني.. من معركة البقاء إلى قوة التأثير السياسي
وأضاف الكاتب أن النتيجة الانتخابية تمثل تعبيرًا عن تكامل نضال الفلسطينيين داخل إسرائيل مع بقية مكونات الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة والخارج، في مواجهة لا تقتصر على الاحتلال ونظام الأبارتهايد، بل تمتد إلى مجمل المشروع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي الصهيوني.
وأكد أن التجربة عززت قناعة الجماهير الفلسطينية بأن الرد على الاضطهاد العنصري الذي تتعرض له، بما يشمله من جرائم منظمة وهدم للمنازل والاستيلاء المتواصل على الأراضي لصالح الاستيطان الصهيوني، يتمثل في التصدي لهذا الاضطهاد باستخدام مختلف الوسائل المتاحة.
وأشار البرغوثي إلى أن الجماهير الفلسطينية داخل إسرائيل قطعت شوطًا كبيرًا في تنظيم نضالها المستمر منذ عام 1948، حين خاضت معركة البقاء والصمود في ظل الحكم العسكري الذي استمر حتى عام 1966. ولفت إلى أنها قدمت خلال تلك المرحلة محطات نضالية بارزة تحولت إلى مدرسة في مواجهة العنصرية والإفقار ومصادرة الأراضي ومصادر الرزق، فضلًا عن النماذج التي قدمتها في مختلف مراحل النضال، وصولًا إلى يوم الأرض المجيد والانتفاضات المتعاقبة.
واستعرض الكاتب النتيجة الثالثة للانتخابات، والمتمثلة في ما وصفه باتجاه المجتمع اليهودي الإسرائيلي وأحزابه نحو مزيد من العنصرية، التي تجاوزت في تقديره حدود الفاشية. واعتبر أن أبرز ما يكشف هذا التحول هو غياب الفوارق الجوهرية بين معسكر نتنياهو والكتلة الصهيونية المعارضة له، خصوصًا في المواقف المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني.
وأوضح أن الأحزاب الصهيونية، سواء المنضوية في معسكر الحكومة أو المعارضة، ترفض حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة، كما تعارض وقف التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وترفض تفكيك المستعمرات الاستيطانية التي يصفها الكاتب بأنها غير شرعية. وأضاف أنها تتمسك باستمرار الحرب على قطاع غزة وترفض الانسحاب منه، بما يعني، وفق قراءته، عدم استعداد أي من هذه الأحزاب لإنهاء الاحتلال أو القبول بتسوية وسط مع الشعب الفلسطيني.
وأكد البرغوثي أن مظاهر العنصرية تجلت بوضوح في الحملات التي شنها نتنياهو ومعسكره لتحريض الأحزاب الصهيونية المعارضة على عدم الاعتماد على أصوات الأحزاب العربية لتشكيل حكومة تطيح به. وأشار إلى وصف مشاركة الفلسطينيين في التصويت بأنها «سرقة للانتخابات»، واتهام الأحزاب العربية، دون سند بحسب وصفه، بتلقي تمويل أجنبي، فضلًا عن دعوات إيتمار بن غفير إلى حرمان المواطنين الفلسطينيين من حق التصويت.
المعارضة الإسرائيلية بين إسقاط نتنياهو والارتهان للضغوط.. وأزمة المشروع الصهيوني تتعمق
وتناول الكاتب المأزق الذي تواجهه الأحزاب الصهيونية المعارضة لنتنياهو، موضحًا أنها ستظل عاجزة عن تشكيل حكومة تطيح به وبائتلافه، ما لم تعتمد على أصوات الفلسطينيين العرب. ورأى أن هذه الأحزاب تعيش حالة تناقض بين رغبتها في الانتقام من نتنياهو بسبب ما أبداه من تعالٍ وعنجهيّة تجاهها، وبين مخاوفها ذات الخلفية العنصرية من الاستناد إلى أصوات الأحزاب العربية.
وأضاف البرغوثي أن هذا المأزق يتفاقم بفعل الضغوط التي يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي دعم نتنياهو، وفق قراءة الكاتب، لإنقاذه من هزيمة ساحقة، ويعمل على دفع الأحزاب الصهيونية إلى منحه طوق نجاة وفرصة جديدة لتجنب السجن ومواجهة قضايا الفساد التي تلاحقه.
وأشار إلى أن نتنياهو قد يستغل هذه الضغوط لخداع أحزاب المعارضة الصهيونية مجددًا، كما فعل في مراحل سابقة، محذرًا من أن نتنياهو وحليفه ترامب قد يلجآن إلى شن عدوان جديد على إيران، بما قد يلحق أضرارًا جسيمة بالدول العربية، ولا سيما دول الخليج العربي، بهدف جر الأحزاب الصهيونية المعارضة إلى الاصطفاف خلف سياسات نتنياهو وقيوده السياسية.
وأكد الكاتب أن هذه السيناريوهات، على الرغم من احتمالات حدوثها، لن تغير حقيقة الأزمة العميقة التي تعيشها الحركة الصهيونية. واعتبر أن صمود الشعب الفلسطيني وبسالته حالا دون تنفيذ نكبة جديدة أو عملية تطهير عرقي أشد خطورة مما شهدته الأراضي الفلسطينية عام 1948.
واستعرض البرغوثي محاولات مناصري إسرائيل وحلفائها في الغرب تبييض صورتها، التي يرى أنها تضررت بشدة جراء حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وحرب الإرهاب الاستيطاني في الضفة الغربية. وأوضح أن هذه المحاولات تقوم على الادعاء بوجود تناقضات جوهرية بين الأطراف الصهيونية، غير أنه شدد على أن الممارسة الفعلية لأي حكومة إسرائيلية مقبلة في الأراضي المحتلة ستكشف، بحسب تقديره، حقيقة المواقف المشتركة لهذه الأطراف، وتبطل الادعاء بوجود اختلافات جوهرية بينها بشأن حقوق الفلسطينيين.
وأضاف أن الدرس الرئيسي الذي ينبغي استخلاصه من الانتخابات الإسرائيلية يتمثل في أن إفشال المشروع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي، ومواجهة ما أنتجه من احتلال ونظام أبارتهايد وعنصرية، لا يتحقق بالتأقلم معه أو الخضوع لقمعه أو محاولة التعايش معه، ولا بالتعلق بأوهام الحلول الوسط، وإنما بمواجهته والتصدي له.
واستشهد الكاتب بتجربة اتفاق أوسلو، معتبرًا أن إسرائيل مزقته ودفنته في سلة المهملات، بما يقدم، من وجهة نظره، دليلًا على محدودية الرهان على التسويات التي لا تضمن الحقوق الفلسطينية. وشدد على أن مواجهة الظلم القاسي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني تتطلب تعزيز التكامل والتلاحم بين مكوناته في الداخل والخارج والأراضي المحتلة، بحيث يناضل كل طرف بأساليبه وأدواته المتنوعة، ولكن ضمن هدف موحد واستراتيجية مشتركة.
وأكد البرغوثي أن هذه الاستراتيجية ينبغي أن تتجه نحو ضمان حق الشعب الفلسطيني في الحرية الكاملة وتقرير المصير، والتحرر من نظام الاستعمار الاستيطاني الإحلالي والاقتلاعي وإفشاله، معتبرًا أن وحدة الهدف وتكامل أشكال النضال يمثلان أساسًا لمواجهة المشروع الصهيوني.
واختتم الكاتب بالتأكيد على ضرورة الإسراع في الاستجابة لمطالب الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة والخارج، وفي مقدمتها إجراء الانتخابات الديمقراطية التي حُرم الفلسطينيون من إجرائها منذ 21 عامًا، بعدما تكرر تأجيلها وإلغاؤها دون وجه حق، بحسب وصفه. ورأى أن إنجاز هذا الاستحقاق يمثل خطوة ضرورية لتجديد الحياة السياسية الفلسطينية وتعزيز مشاركة مختلف مكونات الشعب الفلسطيني في تحديد مستقبلها.

