في أسرع محاكمة قضت محكمة جنح القاهرة الجديدة بتغريم رئيسة تحرير موقع مدى مصر لينا عطا الله 3 ملايين جنيه، مع التحفظ عليها حتى السداد، بجانب الغلق الفوري للمنصة ومصادرة معداتها بدعوى ممارسة العمل بلا ترخيص رسمي.
وتُحوّل هذه الإجراءات القضائية الصارمة ملف تنظيم الصحافة المستقلة من مسار المراسلات الإدارية الممتد لنحو 8 أعوام إلى ساحات المحاكم الجنائية، لتقنين محاصرة الكلمة الحرة وتكبيل الصحفيين بغرامات باهظة تسلبهم حقهم في النشر والتعبير.
كواليس 8 أعوام من التعطيل
ففي عام 2018 سارعت إدارة المنصة لتقديم أوراق توفيق أوضاعها للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عقب صدور القانون رقم 180، غير أن الجهات الإدارية تجاهلت الطلب تماماً، وامتنعت عن الرد بالقبول أو بالرفض دون سند.
ومع إقرار اللائحة التنفيذية للقانون خلال عام 2020، جددت المنصة طلبها الرسمي حرصاً على المسار المؤسسي، غير أن التجاهل الرسمي استمر كأداة ضغط مستمرة لحرمان المؤسسة من اكتساب مركزها القانوني السليم وفق الأطر المنصوص عليها.
وعقب ذلك بعامين، فوجئت رئيسة التحرير أثناء استجوابها الجنائي أمام النيابة العامة بوجود قرار غير معلن برفض الترخيص، رغم امتناع المجلس التنظيمي عن إبلاغها رسمياً بالقرار لقطع حقها الدستوري في التظلم والطعن القضائي.
إثر ذلك سلكت المنصة مساراً ثالثاً خلال عام 2023 بتقديم ملف إداري جديد، بيد أن المعاملة الإدارية ظلت مجمدة عن عمد، حتى باغتتها المحكمة بالحكم الجنائي بدلاً من الفصل الإداري المستحق في طلبها المعلق.
ويرى أستاذ التشريعات الإعلامية المقارنة أن الصمت الإداري السلبي يمثل عيباً جوهرياً يسقط حجة غياب الترخيص، إذ تفرض القواعد التنظيمية إخطار المنشأة بسبب الامتناع، ليصبح تحويل التعطيل البيروقراطي إلى جريمة عقابية مخالفاً لقواعد المشروعية.
بناءً على ذلك تتحول الأجهزة البيروقراطية إلى سلطة حجب مقنعة تمارس التعطيل القسري، حيث تدفع المؤسسات الصحفية كلفة رغبتها في العمل المقنن عبر محاصرتها بتهم جنائية مبتكرة لتصفية وجودها المهني والميداني بصورة نهائية.
استهداف ممنهج للمنصات الرقمية المستقلة
وفي السياق ذاته لم تكن واقعة مدى مصر معزولة، بل تكررت مع موقع المنصة الذي سدد الرسوم المقررة في أكتوبر 2018 وجددها في أغسطس 2020، دون أن يتلقى أي رد حاسم ينهي وضعه المعلق.
وتزامن ذلك التجميد مع مداهمة أمنية لمقر موقع المنصة خلال عام 2020، انتهت باحتجاز رئيسة تحريره نورا يونس، ثم إخلاء سبيلها بكفالة مالية، ما يوضح تحويل الإجراءات الإدارية إلى أدوات ترهيب وملاحقة ميدانية متواصلة.
فضلاً عن ذلك واجه موقع فكر تاني المصير التعسفي نفسه، بعدما تسلم إخطاراً برفض طلبه بعد 14 شهراً من الانتظار، بذريعة غموض السياسات التحريرية ومصادر التمويل، لعرقلة جهوده في البقاء داخل المشهد الصحفي.
وعلى الرغم من تقديم التماسات وعقد جلسات توضيحية في ديسمبر 2024 لإزالة أي مبررات واهية، فإن جهات الإدارة استمرت في المماطلة، لتظل تلك المواقع تحت التهديد القضائي والغلق التعسفي في أي لحظة.
ويؤكد باحث أول في اقتصاديات الإعلام والتحول الرقمي أن الامتناع عن إصدار التراخيص يفرض حصاراً اقتصادياً خانقاً، إذ يجرد المنصات من حقها في جذب الإعلانات والتعاقدات الرسمية، ما يعجل بتصفيتها تجارياً وقانونياً.
ويعكس هذا التضييق الممنهج رغبة السلطة الحاكمة تحت حكم قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في تجريف المجال العام، وفرض الصوت الواحد عبر خنق المؤسسات المستقلة بمتاهات بيروقراطية وعقوبات مالية تعجيزية لتأميم الفضاء الرقمي بالكامل.
معركة الدستور ضد التراخيص الأمنية
ومن جانبها تصدت نقابة الصحفيين لهذه الإجراءات بمذكرة رسمية رفعها النقيب خالد البلشي، محذراً من أن اللائحة التنفيذية تلزم المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالبت في الطلبات خلال مدة لا تتجاوز 90 يوماً فقط.
وشددت المذكرة النقابية على وجوب إخطار المؤسسات بكتب مسجلة بعلم الوصول، معتبرة أن تقاعس المجلس يشكل خطأً إدارياً فادحاً تتحمله جهة الإدارة بمفردها، ولا يجوز دستورياً وقانونياً تحويله إلى جريمة جنائية بحق الصحفيين.
في المقابل حاول عبد المحسن سلامة، عضو المجلس ونقيب الصحفيين الأسبق، تبرير المماطلة بالحديث عن لجان فحص فنية، زاعماً حرصه على تسريع وتيرة البت، في محاولة لتجميل هذا التعطيل الإداري الذي يفتقر للمصداقية.
وبالتوازي مع ذلك جزم وكيل نقابة الصحفيين محمد سعد عبد الحفيظ بأن فرض الترخيص المسبق يصطدم بالدستور الذي كفل حرية إصدار الصحف بمجرد الإخطار، مستنداً إلى سوابق المحكمة الدستورية العليا بإلغاء اشتراطات الموافقة المقنعة.
ويؤكد أستاذ القانون العام والمنازعات الدستورية أن تحصين الإدارة لتقاعسها يمثل خرقاً لمبدأ سيادة القانون، حيث تبطل أحكام المحكمة الدستورية أي إجراء إداري يفرغ الحقوق الأصلية من مضمونها ويحول حرية الصحافة إلى منحة سلطوية.
تأسيساً على ذلك تفتح هذه السوابق القضائية الراسخة باباً واسعاً أمام مسارات الطعن لإسقاط الحكم ضد مدى مصر، لتعرية محاولات توظيف الجهاز القضائي لمعاقبة المنصات التي رفضت الانصياع لتعليمات تدجين الصحافة وقمع استقلاليتها.

