أرنست خوري

كاتب صحافي ومدير تحرير موقع وصحيفة العربي الجديد

 

معظم حكام المنطقة العربية بمشرقها ومغربها تخالهم محللين أجانب عندما يتنازل رجال الصف الأول منهم ويعطون مقابلات صحافية، غالبًا ما تكون لوسائل إعلام أجنبية، لا لأن "الكنيسة القريبة لا تشفي" فحسب، بل تكريسًا منهم لاحتقار الصحافة العربية وتأكيدًا أنهم لا يحترمونها. يُكتب ذلك المصطلح الرديء "رجال الصف الأول" اضطرارًا، بما أنه لا وجود لسيدات بين أصحاب السلطة العرب في انتظار مراقبة أداء فاطمة الزهراء المنصوري في المغرب من دون توقع أي مفاجآت على هذا الصعيد، وبالإذن من رئيسة الحكومة التونسية سارة الزعفراني، إن كان أحد يعرف اسمها ويدرك أن في السلطة التونسية شخصًا غير قيس سعيّد. ومن سمات المحلل أن يقضي وقتًا طويلًا وهو يتفرّج، يتفرّج ويفكر ويقرأ ويتذكر ويتأمل ويقارن. لكن الفرجة تبقى عنصرًا أساسيًا في المهنة المذكورة على عكس شغل صاحب السلطة والقرار، الذي قلما يشاهد، بل يترك أمر هذه المهمة وكذلك التحليل والبحث وتقدير الموقف لمساعديه السياسيين والأمنيين والعسكريين والاستراتيجيين ليكون قادرًا على اتخاذ قرار وتنفيذه.

 

لكن المنطقة العربية استثناء في كل شيء، ومن ضمن هذا الكلّ تعريف السلطة والرأي العام والصحافة والقضاء. إنه العدم المعمم الذي تخرق سباته استثناءات لرؤساء دول ولمسؤولين لا يخطر على البال منهم حاليًا سوى دولة قطر، يتحركون، يبادرون، يتوسطون، يضغطون، يحاولون التأثير في قرارات بلدان أقوى منهم ومتحكمة بشؤون منطقتهم. فلو وضعنا جانبًا هذا الاستثناء القطري في إطلاق المبادرات وتقديم دعم لبلدان حيث يكون ذلك ممكنًا، وتنظيم اللقاءات ومحاولة تدوير الزوايا وسحب فتيل الانفجار، تسهل ملاحظة كم أنّ لا شيء يتم فعله بشأن مصير المنطقة حربًا وسلمًا وخرابًا وقتلًا وإفقارًا.

 

ليست تلك الملاحظة جديدة، لكن بما أن كل شيء نسبي في هذه الحياة، يمكن الجزم بأن منطقتنا لم تكن يومًا ميتة مثلما هي اليوم، رسميًا وشعبيًا. حتى في حروب العراق الأولى (1980-1988)، والثانية (1990-1991)، والثالثة (2003)، كان العرب يتخذون قرارات، أحيانًا خاطئة وكارثية، ولكنهم كانوا يفرضون وجودهم، ولو نسبيًا. في سنوات الثورات ــ الحروب الأهلية العربية منذ 2011، ارتكبوا الفظائع غالبًا، ولكنهم فعلوا شيئًا يمكن معارضتهم على أساسه أو تأييدهم. أما اليوم؟ فلا شيء إلا انتظار انتخابات إسرائيلية وأميركية مثلما يفعل المحللون، وتوزيع الابتسامات العريضة لدونالد ترامب حين يتواضع ويلتقيهم ليتخصص موقع أكسيوس بعدها بنشر غسيل وسخ عن فحوى بعض ما دار في اللقاء، وليخرج الرئيس الأميركي بتوزيع الإهانات لضيوفه في معظم الأحيان.

 

لقد بلغ الوضع العربي دركًا أنه عندما يقول مسؤول عربي، مهما بلغ مستوى رداءته، شيئًا، أي شيء، يشعر المستمع بأمر ما يصعب وصفه، لأنه ليس سعادة طبعًا ولا سرورًا، بل مجرّد إحساس، والإحساس نقيض الموت. حتى عندما يكون المتلقي مدركًا أن ما يقوله عبد الفتاح السيسي عن استعداد مصر لإرسال جنود إلى السعودية بمهمة دفاعية بلا أي قيمة ولا جدوى، فإنّ أمرًا ما يخطر على البال من نوع أنّ حياةً قد تلي الموت ورمزه العربي نظام رسمي ليست جامعة الدول العربية إلا كاريكاتيرًا بائسًا عنه. وعندما تكون السلطات في هذه النسبة من البؤس، ينحدر مستوى الرأي العام إلى ما هو أدنى، فكيف الحال عندما تكون المجتمعات العربية مهترئة إلى حدّ أن تسميتها مجتمعات تصبح مصطلحًا مجازيًا؟

 

سيل من الأخبار العاجلة المرعبة ينهمر على الهواتف لدى كتابة هذا المقال بشأن موعد الحرب المقبلة في إيران وعليها ومنها على جيرانها، وفي لبنان وفلسطين، بينما لا يسمع مواطن في أي بلد عربي مسؤولًا يقول شيئًا مفيدًا حتى ولو كان "جهّزوا الملاجئ"، ربما لأنّ في هذه المنطقة لا وجود لملاجئ، ففيها ينقطع الإرسال والبث، وتنعدم إمكانية الفرجة التي يتشارك الإدمان عليها المواطن ورجال الدولة وسيداتها متى وُجدن.