تتصاعد موجة غضب عارمة داخل قطاع السلامة والصحة المهنية عقب إصدار وزير العمل القرار رقم 249 لسنة 2026، وسط مخاوف حقيقية من تشريد الكفاءات وتصفية المهنة عبر شروط ترخيص وتدريب مجحفة تتجاهل المسار المهني والشهادات الأكاديمية العليا.
​
​
وفي المقابل، تلاحق المئات من الكوادر الميدانية الوزارة بمذكرة رسمية عاجلة لوقف هذا التغول التنظيمي، مطالبين بحماية مراكزهم القانونية المكتسبة ودعم الاستقرار المهني والمعيشي لآلاف الأسر التي باتت مهددة بفقدان مصادر دخلها الوحيدة بشكل مفاجئ.

 

 

إقصاء الكفاءات الميدانية وتجريف الخبرات
​
​
ومن ناحية أخرى، تهدد الاشتراطات المستحدثة بإقصاء خبرات متراكمة أفنت سنوات طويلة في تأمين المنشآت الحيوية بقطاعات البترول والصناعة والمقاولات والإنشاءات والمستشفيات والتعليم، لاسيما مع تطبيقها المباغت دون مراحل انتقالية تحفظ صمام الأمان الحقيقي لتلك المؤسسات.
​
​
وعلاوة على ذلك، تطال الإجراءات التعسفية حملة المؤهلات الأدبية الذين دعموا مسيرتهم بدبلومات تخصصية معتمدة وفق اللوائح السابقة، إلى جانب حاملي الماجستير والدكتوراه في السلامة المهنية وخريجي برامج التعليم المدمج والمفتوح الذين يواجهون خطر الاستبعاد التام.
​
​
وبالإضافة إلى ما سبق، تتذرع الوزارة ببنود توفيق الأوضاع وتصنيف المؤهلات الدراسية لفرض قيود معقدة وشروط تعجيزية، وهي خطوة تهدف عملياً إلى شطب سنوات الخبرة الطويلة التي اكتسبها العاملون في تأمين المنشآت الصناعية والإنتاجية الكبرى.
​
​
ومن جانبه، يؤكد استشاري السلامة والصحة المهنية والبيئة الدكتور وائل خليل أن اشتراطات القرار 249 لسنة 2026 تفتقر لأبسط القواعد المهنية، لأنها تطيح بكوادر ميدانية عالية التدريب وتستبدل الخبرة العملية بمعايير ورقية جامدة تهدد أمن المصانع والمنشآت.
​
​
ونتيجة لذلك، تهدر المنظومة الجديدة سنوات من الجهد والوقت والتكاليف المالية الباهظة التي تكبدها الدارسون للالتحاق بدبلومات الدراسات العليا الأكاديمية، بعدما ألغت الوزارة اعتماد مؤهلاتهم بشكل عادل وحرمت بيئات العمل من كوادر مؤهلة علمياً وعملياً.

 

 

إهدار المراكز القانونية والأحكام القضائية
​
​
وفي سياق متصل، تضرب القرارات الوزارية الجديدة عرض الحائط بالمبدأ الدستوري والتشريعي الأصيل المتمثل في عدم رجعية القوانين وحماية المراكز القانونية المكتسبة، ما يخلق حالة من الفوضى التشريعية التي تعصف باستقرار آلاف الممارسين المعتمدين رسمياً.
​
​
وجدير بالذكر أن العاملين التزموا طوال 23 عاماً بالمنظومة المستقرة التي أسسها القرار الوزاري رقم 134 لسنة 2003، والذي كان يؤهلهم قانونياً لوظيفة أخصائي قبل أن تأتي التعديلات الأخيرة لتنسف هذا الاستقرار الوظيفي بجرة قلم.
​
​
وترتيباً على ذلك، يصطدم القرار رقم 249 لسنة 2026 بشكل مباشر مع المادة 259 من قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، نتيجة غياب التوافق التشريعي ورفض إقرار فترات انتقالية كافية لتوفيق الأوضاع وتخفيف الآثار المعيشية القاسية.
​
​
وفي هذا الصدد، يوضح الخبير في تشريعات العمل والمحامي بالنقض ياسر سعد أن المواد 16 و17 و18 من القرار 249 لسنة 2026 تمثل عواراً قانونياً فجاً، لكونها تسلب حقوقاً دستورية راسخة بأثر رجعي وتخالف القواعد القانونية المستقرة.
​
​
وفضلاً عن ذلك، تتجاهل الجهات الحكومية تنفيذ الأحكام القضائية النهائية الصادرة في مايو 2023 لصالح خريجي كليات الزراعة بنظام التعليم المفتوح، والتي تقضي باعتماد شهاداتهم وترتيب كافة آثارها القانونية، وسط تقاعس تام من وزارة التعليم العالي.
​
​
وبناءً عليه، يكرس هذا التعنت الحكومي سياسة التمييز ويهدر مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص بين الكوادر الوطنية المتساوية في الكفاءة، في وقت تظل فيه حتى نسبة 5% المقررة لتوظيف ذوي الإعاقة مجرد حبر على ورق داخل الوزارة.

 

 

مقترحات الإنقاذ ومطالب تصحيح المسار
​
​
ولمواجهة هذا التعنت، تطرح الكوادر المهنية حلولاً عملية تنقذ القطاع وتتماشى مع الهيكل التنظيمي، عبر تأسيس تدرج مهني واضح للمسمى المستحدث وهو مشرف سلامة وصحة مهنية، ليصبح متاحاً لحملة المؤهلات الأدبية دون إقصاء أو تهميش.
​
​
وإلى جانب ذلك، يتضمن المقترح فتح مسار تحفيزي وتطويري يمنح المشرف الحق الكامل في الترقية إلى درجة أخصائي فور استكمال دراسته التخصصية، بما يضمن سد احتياجات المنشآت الحيوية وإبقاء باب الارتقاء العلمي مفتوحاً أمام الجميع.
​
​
ومن ناحيته، يشدد الباحث في السياسات العمالية والنقابية كمال عباس على أن تجاهل الوزارة لمقترحات التدرج المهني يعكس نهجاً إقصائياً متعمداً، يؤدي إلى تفريغ المؤسسات الإنتاجية من الكفاءات الوطنية لصالح قرارات بيروقراطية معزولة عن الواقع الميداني.

ولهذا السبب، يتمسك المتضررون بضرورة إعادة النظر الفوري في المواد 16 و17 و18 من القرار الوزاري رقم 249 لسنة 2026، لما يترتب عليها من تغيير تعسفي لتصنيف العاملين الذين استوفوا كافة شروط التأهيل وفق القواعد السابقة.
​
​
وكذلك، تتصاعد المطالبات بضرورة تسوية أوضاع خريجي كليات الزراعة من برامج التعليم المفتوح والمدمج، باعتبارهم يمتلكون مؤهلات ذات طبيعة علمية وعملية دقيقة، ومارسوا المهنة لسنوات طويلة أسهمت في تأمين بيئات العمل بمختلف المحافظات.
​
​
وختاماً، يرهن المختصون استقرار القطاع بإصدار ملحق تنفيذي أو تعليمات دورية تتضمن أحكاماً انتقالية وضوابط موضوعية لتقييم المؤهلات والخبرات بعدالة، لحماية الكفاءات الوطنية من التشريد في وقت تلاحق فيه النيابة الإدارية 3 مسؤولين بقويسنا تأديبياً.