كمال أوزتورك
كاتب وصحفي تركي، مراسل الجزيرة في تركيا
عندما وصلني خبر الاجتماع المفاجئ في طهران، كان رئيس الوزراء الكندي مارك كارني قد عقد مؤتمرا صحفيا مشتركا مع الرئيس أردوغان في تركيا، أعلنا خلاله اتفاقية الشراكة الإستراتيجية بين كندا وتركيا.
ويعد كارني مثقفا سياسيا بارزا، وهو من المدافعين عن فكرة توحيد قوى "الدول متوسطة القوة "، انطلاقا من قناعته بأن أي دولة لا تستطيع الصمود بمفردها.
ولهذا قال خلال المؤتمر: "نحن مضطرون إلى التحالف مع تركيا، التي تمتلك صناعة دفاعية قوية واقتصادا متينا ويبلغ عدد سكانها 85 مليون نسمة ".
ورغم أن تدهور العلاقات الكندية الأمريكية هو ما دفع كارني إلى البحث عن هذه التحالفات، فإنني أتبنى أفكارا مشابهة لأفكاره.
ويعرف قرائي أنني لطالما كتبت عن ضرورة إقامة التحالفات، وإلا فإن الزلزال الجيوسياسي سيقضي علينا جميعا.
وقبل أيام، عندما اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عقد اجتماع ثلاثي يضم روسيا والصين والولايات المتحدة، دق كثير من الكتاب ناقوس الخطر قائلين: "يبدو أنهم سيتقاسمون العالم ". صحيح أن القوى العظمى الثلاث ليست مضطرة إلى عقد اجتماع لتقاسم العالم، لكن دق ناقوس الخطر كان قرارا صائبا.
المسؤول الذي تحدثت إليه قبيل توجهه إلى طهران
في اليوم الذي بدأت فيه رسميا إجراءات المصادقة على اتفاقية تحالف مكة الدفاعي في البرلمان التركي، انتشرت بسرعة البرق على شاشات التلفزيون أنباء عن اجتماع رباعي سيعقد في طهران، وسيتوجه مسؤولون رفيعو المستوى من السعودية وباكستان وتركيا إلى طهران للقاء الرئيس بزشكيان ومسؤولين آخرين.
اتصلت بأحد المسؤولين المشاركين في الوفد لأستطلع رأيه قبيل هذا الاجتماع بالغ الأهمية، فقال: "نعم، إنه اجتماع مهم للغاية، فنحن، بوصفنا تحالف مكة الدفاعي، نجري أول اتصالات جدية من أجل حل مشكلات المنطقة. وفي هذه المرحلة، ستجرى مباحثات دبلوماسية ويجري تبادل المعلومات وتحديد المشكلات. وبعد ذلك، سنبحث عن سبل لحلها، ونسعى إلى التوصل إلى أرضية مشتركة ".
وقلت له إنه إذا نجحت هذه الاجتماعات في إيجاد حل لأزمة هرمز أو لمشكلة مضيق باب المندب، فسيكون تحالف مكة قد حقق نجاحا كبيرا، واتخذ خطوة مهمة نحو تعزيز قوته وتوسيع نطاقه، فأبدى اتفاقه مع رأيي، داعيا الله أن يتحقق ذلك.
الاختبار الأول لتحالف مكة
عندما تدخل الاتفاقية المكونة من 16 مادة، والتي سيصادق عليها البرلمان التركي هذا الأسبوع، حيز التنفيذ، ستتغير موازين القوى وتوزيع النفوذ في المنطقة بصورة كبيرة. ومنذ البداية، كان المبدأ الأساسي الذي تتبناه تركيا بشأن التحالفات هو أن "دول المنطقة يجب أن تحل مشكلاتها بنفسها ".
فبسبب عجزنا حتى اليوم عن حل مشكلاتنا، جاءت دول أخرى من أماكن تبعد عنا عشرات آلاف الكيلومترات، وتدخلت في شؤوننا، لكنها بدلا من إيجاد الحلول، تسببت في مزيد من المشكلات. ونتيجة للدروس التي استخلصناها من هذه التجارب، لم يعد حل مشكلاتنا فيما بيننا مجرد أمنية، بل أصبح ضرورة، ومن هذه الضرورة ولدت اتفاقية تحالف مكة الدفاعي.
والآن، سيجري وزيرا الدفاع الباكستاني والسعودي ورئيس الاستخبارات التركية، أول اتصالات خارجية لهم بعد الاتفاقية، وسيشكل ذلك أيضا أول اختبار لهم.
وتأتي على رأس الملفات العديدة المطروحة على الطاولة أزمة مضيق هرمز وباب المندب والصراع بين الحوثيين والسعودية والحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. ولا أتوقع التوصل فورا إلى حلول لهذه الأزمات التي تؤثر في العالم بأسره، لكن مجرد إظهار إرادة للعمل على حلها يحمل في حد ذاته قيمة كبيرة.
دخلنا عصر التحالفات الضرورية
لا أحد يعرف منطقتنا وشعوبنا وبنيتنا الاجتماعية وتاريخنا وروابطنا الثقافية أكثر منا. وفي الوقت نفسه، لا أحد يستطيع فهم المشكلات التي نواجهها وإيجاد حلول لها أفضل منا.
ويكفي أن ننظر إلى المشكلات المتراكمة التي خلفتها الولايات المتحدة وراءها عند انسحابها من العراق، وإلى الدمار الذي شهدته أفغانستان، لندرك ذلك بصورة أوضح.
والأمر نفسه ينطبق على الدول التي تدخلت فيها بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وإيطاليا عبر التاريخ. فالدول الأجنبية لم تفعل سوى مضاعفة مشكلاتنا وزيادة معاناتنا وخسائرنا، ولم تسفر تدخلاتها عن أي نتيجة أخرى، وهذا وحده يكفي لنتعلم ضرورة إنشاء آليات لحل مشكلاتنا فيما بيننا.
لكن هناك مسألة أخرى، وهي أن النظام العالمي القديم ينهار، ولا أحد يعرف كيف سيتشكل النظام الجديد. وعلى حد تعبير رئيس الوزراء الكندي، فإن "جميع مؤسسات النظام العالمي القديم، الذي انهار ولن يعود، أصبحت عاجزة عن أداء وظائفها ".
فإذا لم يعد بإمكاننا اللجوء إلى الأمم المتحدة عند نشوب الخلافات، فإلى أين نتجه؟ فهذه المؤسسة الضخمة، فضلا عن عجزها عن وقف الحروب، اضطرت بسبب نقص التمويل إلى وقف المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها للفلسطينيين الذين يعانون الجوع.
الحقيقة أن العالم بحاجة إلى مؤسسات ومنظمات دولية، ولذلك، يجب بناء مؤسسات جديدة تحل محل المؤسسات التي فقدت قدرتها على أداء وظائفها.
وعند القيام بذلك، علينا تغيير بعض المبادئ الأساسية التي ننطلق منها.
لنوحد قوانا ونحقق أمننا ورفاهيتنا
في الأعراف الدبلوماسية، يفضل المسؤولون عند لقائهم استخدام لغة البلد المضيف في التحية، بوصف ذلك لفتة ودية. ولهذا السبب، تجري تحية حرس الشرف المخصص للاستقبال الرسمي بلغة ذلك البلد.
والآن، عندما يقول مسؤولو الدول الثلاث المتوجهون إلى طهران للمسؤولين الإيرانيين الذين يستقبلونهم "السلام عليكم "، فإنهم يستخدمون لغة مشتركة، ولن يشعر أي منهم بالغربة.
وفي مراسم التوقيع الأولى على اتفاقية مكة، عندما توجه قادة الدول جميعا نحو الكعبة واصطفوا معا للصلاة، التقطت صورة بالغة التأثير. ولم يشعر أحد بالغربة أيضا خلال تناول الطعام وشرب القهوة بعد الصلاة، أي إن اجتماع دول تتشارك اللغة والدين والثقافة والتاريخ يؤدي إلى نشوء كيان بالغ القوة.
فكروا في الطاقة والتمويل والقوة العسكرية والصناعة الدفاعية والسكان والمواقع الجيوسياسية.
إن جمع هذه المقومات يولد قوة قادرة على التأثير في جميع التوازنات، ومن شأن كيان يبنى على أسس المصالح المتبادلة والاعتماد المتبادل أن يلبي بسهولة احتياجاتنا من الأمن والرفاهية.
لا بد من توسيع التحالف
يستخدم نص الاتفاقية مصطلح "الدول المؤسسة " للإشارة إلى تركيا والسعودية وباكستان، ويشترط لانضمام أي دولة جديدة إلى التحالف موافقة هذه الدول.
وهذا يضع على عاتقها مسؤولية كبيرة أيضا، فلا ينبغي أن يبقى التحالف على حاله، بل يجب أن يتوسع، وتقع مسؤولية تحقيق ذلك على الدول المؤسسة.
وعلينا أن ندرك أنه لم يعد أمامنا خيار آخر في هذا العصر الذي دخلنا فيه مرحلة التحالفات، فتعزيز القوة يتطلب النمو، وحل المشكلات يتطلب التوسع، وزيادة الأمن والرفاهية تتطلب انضمام مزيد من الدول.
ولم تعد أي دولة في وضع يسمح لها بالانشغال بالمشكلات الصغيرة والأزمات المزمنة والخلافات التاريخية، وهذا بالضبط ما كنت أحاول التعبير عنه الأسبوع الماضي عندما تحدثت عن "سياسة الطوارئ ".
وعلى قادة الدول، الذين يرجح أنهم يتناولون الآن "تشيلو كباب " على مائدة واحدة في طهران، أن يفكروا في ضرورة انضمام إيران يوما ما إلى هذا التحالف.
وأنا واثق أيضا من أن وزير الخارجية المصري وهاكان فيدان، اللذين ظهرا الأسبوع الماضي في صور ودية عند المضيق، يفكران في الأمر نفسه: يجب أن تصبح مصر جزءا من تحالف مكة. وأنا واثق بأننا سنرى، بعد فترة، الدول الأعضاء في اتفاقية بدر الموقعة في الدوحة تصطف إلى جانب الدول الأعضاء في تحالف مكة متجهة نحو الكعبة وتوقع الاتفاقية نفسها.
لقد فاض نهر التاريخ، وبينما يبحث عن مجرى جديد، أصبحت إقامة حواجز وسدود قوية في مواجهة السيول ضرورة لا مفر منها، وهذه التحالفات هي نتيجة تلك الضرورة.
فإذا لم ينم التحالف، فسيبقى بلا قوة، وإذا لم يتوسع، فسيضعف.
ولهذا، فإن اجتماع طهران يمثل الخطوة الأولى نحو توسيع التحالف وتعزيز قوته، وآمل أن تصلنا أخبار جيدة.

