تتصاعد موجة الغضب داخل الأوساط العمالية المصرية مع اقتراب انتهاء مهلة الستة أشهر التي أقرها البرلمان في مايو الماضي، وسط تحذيرات واسعة من تمرير تأجيل ثانٍ للانتخابات وتمديد الدورة الحالية قسرًا على حساب إرادة القواعد.
وتتمسك القواعد والقيادات العمالية بحقها الأصيل في الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، رافضةً كافة المحاولات الرامية إلى تجميد التنظيمات النقابية ومنع تجديد دمائها في ظل أزمات اقتصادية طاحنة تتطلب تمثيلًا حقيقيًا وقويًا يدافع عن مصالح العمال.
ذرائع التعديل التشريعي لتعطيل الصناديق
وفي هذا السياق، أعلنت أحزاب العدل والمصري الديمقراطي الاجتماعي والمحافظين، إلى جانب المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رفضها القاطع لأي توجه نحو مد الدورة النقابية الحالية مرة أخرى وتأجيل الاستحقاق الانتخابي تحت أي ذريعة إدارية.
علاوة على ذلك، شددت القوى الموقعة على أن حق العمال في اختيار ممثليهم بحرية ودورية هو حق أصيل مستمد من المواثيق، وليس منحة حكومية يجوز تأجيلها أو الانتقاص منها بقرارات فوقية تعطل المسار الديمقراطي النقابي.
من ناحية أخرى، فإن الحاجة إلى تعديل قانون المنظمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 213 لسنة 2017، للتوافق مع الدستور ومعايير العمل الدولية وقانون العمل رقم 14 لسنة 2025، لا تبرر تعطيل الانتخابات مجددًا.
وبالتوازي مع ذلك، يمكن العمل على مساري الإصلاح التشريعي والاستعداد للانتخابات في آن واحد وفقًا للقواعد القانونية السارية، مع معالجة أي مسائل انتقالية عبر أحكام واضحة تضمن عدم تجميد العمل النقابي أو مصادرة إرادة الناخبين.
فضلا عن ذلك، يجب أن تستهدف أي تعديلات تشريعية تعزيز الحرية النقابية واستقلال التنظيمات، وضمان حق العمال الأصيل في تأسيس نقاباتهم والانضمام إليها والترشح والانتخاب، مع فرض الاحترام الكامل لسلطة الجمعيات العمومية دون وصاية إدارية.
وفي هذا الصدد، يؤكد كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، أن ربط إجراء الانتخابات بتعديل القانون رقم 213 لسنة 2017 يمثل التفافًا واضحًا لإبقاء اللجان النقابية تحت السيطرة الإدارية ومنع صعود قيادات عمالية مستقلة.
مخالفة المواعيد القانونية وتقويض الثقة
وعلى صعيد متصل، نص القانون رقم 74 لسنة 2026 على مد الدورة النقابية الحالية لمدة 6 أشهر، وألزم الجهات المعنية بالدعوة إلى انتخابات مجالس الإدارات للدورة الجديدة قبل انتهاء مدة المد بنحو 60 يومًا على الأقل.
وبناءً على ما تقدم، فإن أي توجه حكومي نحو فرض مد جديد يفتقر إلى الأسانيد القانونية والمبررات الموضوعية، إذ يحول الاستثناء المؤقت إلى نهج متكرر كلما واجهت الجهات التنفيذية صعوبات في إدارة الاستحقاقات الدستورية والقانونية.
إضافة إلى ذلك، يثير تكرار مد الدورات النقابية بدلًا من الالتزام بالمواعيد المقررة تساؤلات حادة حول كفاءة إدارة الملف النقابي، ويقوض ثقة العمال في جدية الإصلاح التشريعي والحوار الاجتماعي ومدى التزام السلطات بتطبيق نصوص القانون.
ومن ثم، فإن مبدأ سيادة القانون لا يتجزأ، ما يلزم الحكومة بالخضوع للقواعد القانونية المنظمة للحقوق والاستحقاقات، والكف عن توسيع الاستثناءات التي تنتقص من حق العمال في اختيار ممثليهم وتجديد شرعية تنظيماتهم عبر الاقتراع الحر.
وفي غضون ذلك، تنتظر 2000 لجنة نقابية قرار الحسم لإجراء الانتخابات العمالية مع انتهاء مهلة البرلمان، بينما يواجه عمال الدليفري تملصًا رسميًا بعد بقاء وعود الحكومة بتأمينهم بلا تنفيذ، وتنصل اتحاد العمال من تمثيلهم.
ومن جانبه، يوضح خالد علي، المحامي والحقوقي المختص بالحريات النقابية، أن الامتناع عن الدعوة للانتخابات قبل 60 يومًا من انتهاء المهلة يمثل خرقًا صريحًا للقانون رقم 74 لسنة 2026، ويكرس نهج تعطيل الاستحقاقات الدستورية للعمال.
تآكل الشرعية النقابية ومخاطر التجميد
وفي سياق متصل، يؤدي استمرار مجالس الإدارات لفترات ممتدة دون تجديد تفويضها انتخابيًا إلى غياب المساءلة أمام الجمعيات العمومية، وتفاقم الخلافات الداخلية، وإضعاف ثقة العمال في جدوى المشاركة النقابية داخل مواقع العمل والإنتاج المختلفة.
نتيجة لذلك، يهيئ هذا التجميد القسري المجال لمزيد من التدخلات الحكومية والإدارية في شؤون التنظيمات النقابية، ما يصادر استقلال قرارها ويحولها إلى كيانات تابعة تفتقر إلى القدرة على التفاوض الجماعي أو حماية الحقوق الاقتصادية للعمال.
علاوة على ما سبق، لا تتحقق قوة التنظيم النقابي بإطالة بقاء القيادات الحالية، وإنما بقدرته على تجديد نفسه وضخ دماء جديدة وأفكار مختلفة وطاقات شابة، وإتاحة الفرصة أمام الكفاءات العمالية لتحمل المسؤولية وتصحيح المسار.
وبالتالي، يؤدي تأخر هذا التجديد إلى تفاقم مخاطر الجمود وضعف التمثيل، وتراجع فرص ظهور قيادات جديدة قادرة على التعبير عن تطلعات العمال، ما يجعل الانتخابات الحرة والنزيهة الطريق الوحيد لبناء تنظيمات قوية تستمد شرعيتها من قواعدها.
إلى جانب ذلك، ترتبط فاعلية المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي باتساع المشاركة المجتمعية والتعددية والشفافية أثناء مناقشة القوانين، وهو ما يتطلب جدولًا زمنيًا فوريًا للانتخابات وحوارًا يشمل النقابات المستقلة والخبراء لضمان استقرار علاقات العمل على أسس ديمقراطية.
وفي هذا الإطار، يشير صابر بركات، الباحث والخبير في الشؤون العمالية والنقابية، إلى أن تمديد بقاء المجالس النقابية دون تفويض انتخابي يفقدها الشرعية التمثيلية، ويحول النقابات إلى أدوات إدارية عاجزة عن مواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة.

