تسببت المظاهرات المصطنعة التي حركتها الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في دفع السفارة الهولندية بالقاهرة نحو إغلاق أبوابها لأجل غير مسمى، هربا من الفوضى الممنهجة أمام مقرها بحي الزمالك العريق.
وجاء هذا القرار الدبلوماسي الصارم يوم الخميس ليضع حدا لمحاولات الابتزاز السياسي التي يمارسها النظام المصري، بهدف إجبار السلطات القضائية الهولندية على إطلاق سراح عناصر متهمة بممارسة البلطجة والاعتداء السافر على المعارضين بالخارج.
حصار البعثات الأجنبية بأوامر أمنية مباشرة
وفي هذا السياق، أصدرت وزارة الخارجية الهولندية بيانا رسميا يؤكد تعليق العمل داخل مقر بعثتها الدبلوماسية في القاهرة حتى إشعار آخر، نتيجة الحشود الأمنية الموجهة التي تحاصر المبنى وتهدد سلامة الموظفين والمترددين عليه يوميا.
وعلاوة على ذلك، أوضحت السفارة أنها ستتواصل مع كافة المواطنين الذين يمتلكون مواعيد مسبقة لإعادة جدولتها في أقرب وقت ممكن، مع استمرار تقديم خدمات التأشيرات عبر الشركة الوسيطة لضمان عدم تعطل مصالح المسافرين.
ومن ناحية أخرى، تدرك الدوائر الدبلوماسية الغربية أن التظاهر في مصر مستحيل دون تصريح أمني مسبق، مما يثبت أن الجموع المحتشدة في حي الزمالك تتحرك بتعليمات مباشرة من أجهزة المخابرات والأمن الوطني لإرباك البعثة.
وبالإضافة إلى ذلك، تحاول حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي استخدام هذه التجمعات الصورية كورقة ضغط رخيصة، لإيهام الرأي العام الدولي بوجود غضب شعبي عارم يطالب بالإفراج عن المعتدين الموقوفين لدى الشرطة الهولندية.
ولهذا السبب، اعتبرت أمستردام أن تقاعس السلطات المصرية عن تأمين محيط السفارة يمثل تواطؤا رسميا مكشوفا، يتناقض تماما مع المزاعم الحكومية المتكررة حول توفير الحماية الكاملة لجميع البعثات الأجنبية العاملة فوق الأراضي المصرية.
وفي مقابل ذلك، يزج النظام المصري بمئات الشبان الأبرياء في السجون لمجرد التفكير في التظاهر السلمي، بينما يوفر الحماية والحافلات المجانية لعشرات المأجورين، ليهتفوا أمام مقر بعثة أوروبية دفاعا عن شخص متهم بارتكاب جرائم.
وتعليقا على هذا المشهد، يؤكد أستاذ القانون الدولي والخبير الدبلوماسي الدكتور أيمن سلامة أن سماح السلطات بحصار مقر بعثة أجنبية يمثل خرقا فاضحا للمادة 22 من اتفاقية فيينا، ويعرض الدولة لعزلة دولية وإجراءات عقابية قاسية.
وبناء على ذلك، يفقد النظام المصري يوما بعد يوم مصداقيته أمام العواصم الأوروبية، التي باتت تتعامل مع تحركاته الدبلوماسية باعتبارها سلوكا مليشياويا يفتقر إلى الحد الأدنى من الاحترام للأعراف والمواثيق التي تحكم العلاقات الدولية.
تصدير البلطجة العابرة للحدود لقمع المعارضين
وعلى صعيد متصل، تعود جذور الأزمة الحالية إلى يوم 11 أكتوبر الجاري، حينما ألقت الشرطة الهولندية القبض على المدعو أحمد ناصر، نائب رئيس ما يسمى اتحاد شباب المصريين بالخارج، برفقة شريك له في مدينة لاهاي.
وجاء هذا التوقيف القانوني الحاسم خلال توجه المذكورين للمشاركة في تجمع حشدت له السفارة المصرية، بهدف التغطية على الفضيحة التي لاحقت النظام عقب التظاهرة السلمية التي نظمها الناشط المعارض أنس حبيب يوم 4 أكتوبر.
وفي واقع الأمر، لم يكن تحرك أحمد ناصر وزميله مجرد نشاط سياسي مشروع، بل تضمن اعتداءات جسدية وتهديدات مباشرة طالت معارضين سلميين لسياسات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، مما استوجب تدخل قوات الأمن الهولندية فورا.
وفضلا عن ذلك، دأب النظام خلال السنوات الماضية على تشكيل كيانات موازية في أوروبا تحت مسميات شبابية، لتعمل كأذرع أمنية تمارس البلطجة وتروع النشطاء الحقوقيين والسياسيين الذين فروا من القمع المنهجي داخل وطنهم.
ونتيجة لذلك، اصطدمت هذه الممارسات الإجرامية بصرامة القوانين الأوروبية التي لا تعترف بالحصانة الأمنية التي يمنحها النظام لرجاله، ليجد المعتدون أنفسهم خلف القضبان بانتظار محاكمة عادلة تكشف حجم التورط الرسمي في تحريكهم وتمويلهم.
وفي المقابل، تحاول الأبواق الإعلامية الموالية للسلطة تصوير المتهم الموقوف كبطل قومي يدافع عن هيبة الدولة، للتعمية على السجل الإجرامي لعناصر الاتحاد التي تخصصت في ملاحقة المعارضين وتصويرهم والاعتداء عليهم بالسلاح الأبيض والأدوات الحادة.
ومن جهته، يرجع origins التوتر إلى العام الماضي، عندما قاد المعارض أنس حبيب حملة واسعة أمام السفارات المصرية، لفضح دور النظام في عرقلة دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وهو ما أثار جنون القاهرة.
وللتغطية على هذا الفشل، سارعت أجهزة السلطة حينها إلى توجيه اتهامات مرسلة لتنظيم الإخوان بالوقوف وراء تلك الاحتجاجات، هربا من مواجهة الحقيقة الدامغة التي وثقتها الكاميرات حول إغلاق المعابر والتضييق على أهالي القطاع المحاصر.
وفي هذا الإطار، يوضح الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية بمركز الأهرام للدراسات الدكتور عمرو هاشم ربيع أن تصدير العمل الأمني الخشن واستخدام مجموعات غير رسمية لملاحقة المعارضين بالخارج يورط الدولة في أزمات قانونية ودبلوماسية معقدة.
استنفار دبلوماسي وبرلماني لإنقاذ أذرع النظام
ومن ناحية أخرى، استنفرت حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي كافة أجهزتها الدبلوماسية والبرلمانية للدفاع عن المتهم الموقوف، في مشهد يتناقض كليا مع تجاهلها التام لآلاف المصريين الذين يتعرضون للانتهاكات والاحتجاز التعسفي في دول عديدة.
وفي سياق هذا الاستنفار، أجرى وزير الخارجية بدر عبد العاطي اتصالا هاتفيا بنظيره الهولندي توم بيريندسن خلال الأسبوع الماضي، مطالبا إياه بسرعة الإفراج عن أحمد ناصر وكشف ملابسات توقيفه دون انتظار انتهاء التحقيقات القضائية.
وبالإضافة إلى ذلك، لجأ الوزير المصري إلى لغة التهديد المبطن عبر ربط حماية السفارة المصرية في لاهاي بمبدأ المعاملة بالمثل، في إشارة واضحة إلى أن حصار السفارة الهولندية بالقاهرة هو رد فعل رسمي مدبر.
وعلاوة على ما سبق، دخل البرلمان الموالي للسلطة على خط الأزمة، حيث طالب رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب طارق رضوان السلطات الهولندية بتوضيح الأساس القانوني لتوقيف ناصر، والإفراج الفوري عنه وعن شريكه المحتجز.
ومما يثير السخرية، أن يخرج هذا المطلب من برلمان يغض الطرف يوميا عن عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين داخل السجون المصرية، الذين يقبعون خلف القضبان لسنوات طويلة دون محاكمات عادلة أو سند قانوني حقيقي.
وبالتالي، يثبت هذا التحرك الرسمي المحموم أن المتهم الموقوف في لاهاي ليس مجرد مواطن عادي، بل هو عنصر أمني مكلف بمهام قذرة، تخشى السلطة في القاهرة من اعترافه بتفاصيل التوجيهات والتمويلات التي يتلقاها من السفارة.
ورغم هذه الضغوط المكثفة، ترفض الحكومة الهولندية التدخل في أعمال سلطتها القضائية المستقلة، وتتمسك بمحاسبة كل من يخرق القانون أو يهدد السلم العام على أراضيها، بغض النظر عن الغطاء السياسي الذي يوفره له نظامه.
وحول هذه الممارسات، يؤكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور حسن نافعة أن رهن العلاقات الدبلوماسية بمصالح أفراد متورطين في خرق قوانين الدول المضيفة يضعف الموقف التفاوضي للدولة، ويظهر مؤسساتها كأدوات لحماية الخارجين عن القانون.
وختاما لهذا المشهد العبثي، يظل إغلاق السفارة الهولندية في القاهرة وصمة عار دبلوماسية تلاحق نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، وتؤكد أن سياسة البلطجة التي يحكم بها الداخل المصري لن تمر دون عقاب في الخارج.

