تواجه الأوساط الصناعية صدمة حقيقية إثر طرح وزارة الصناعة بحكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي نظام الإيجار المنتهي بالتملك، وسط غياب تام للضمانات القانونية التي تحمي رؤوس الأموال من الضياع.
وبالتوازي مع تلك الخطوة، تتصاعد المخاوف من تحول هذا الطرح إلى أداة لتطفيش المصنعين، نظرًا لافتقار العقود إلى7 آليات أساسية تضمن استقرار المشروعات وتحول دون تجميد أنشطتها الإنتاجية مستقبلًا.
بنود تعاقدية غامضة تطرد المستثمرين
وفي هذا السياق، أصدرت جمعية خبراء الضرائب المصرية بيانًا يفند مزاعم تحفيز الصناعة الوطنية، مؤكدة أن العقود المطروحة تفتقر إلى تحديد القيمة الإجمالية لقطعة الأرض الصناعية بشكل قاطع لا يقبل التأويل.
وعلاوة على ذلك، تتجاهل هيئة التنمية الصناعية توضيح آلية احتساب سعر التملك النهائي، ما يضع المستثمر أمام المجهول عند انتهاء مدة الإيجار ومحاولة نقل الملكية الفعلي لمشروعه القائم على الأرض.
ومن ناحية أخرى، تغيب عن بنود التعاقد أي نصوص صريحة تحدد حالات الفسخ أو مصير المدفوعات المالية السابقة عند حدوث أي إخلال طارئ، وهو ما يهدد بضياع أموال صغار المستثمرين.
وبناءً على تلك الثغرات، طرحت الهيئة مؤخرًا مساحات بلغت 300 ألف متر مربع بمدن برج العرب والعاشر من رمضان و6 أكتوبر، دون تدارك العوار القانوني الذي يفرغ الطرح من مضمونه.
وفضلًا عن تلك المدن، شمل الطرح مناطق وادي النطرون والقطامية والسادات وطيبة الجديدة وأخميم الجديدة، في خطوة تهدف إلى جباية الأموال السريعة بدلًا من تأسيس قاعدة صناعية راسخة تدعم الاقتصاد.
وفي ضوء هذه الممارسات، أكد الدكتور عبدالنبي عبدالمطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة والصناعة الأسبق لشؤون البحوث الاقتصادية، أن طرح الأراضي بعقود مبهمة يمثل مقامرة خطيرة بأموال القطاع الخاص المصري.
واستكمالًا لتلك الرؤية، أوضح عبدالمطلب أن غياب الشفافية التسعيرية في عقود التنمية الصناعية يعكس رغبة حكومية في فرض الوصاية على المستثمر، بدلًا من منحه بيئة تشريعية آمنة ومستقرة تضمن حقوقه.
ونتيجة لذلك، يتحول نظام الإيجار المنتهي بالتملك من وسيلة لدعم التنافسية إلى مصيدة بيروقراطية، تستنزف موارد المصنعين وتجبرهم على الهروب بأموالهم نحو أسواق إقليمية أكثر وضوحًا في تعاملاتها التعاقدية والمالية.
تجميد التمويل المصرفي وغياب الضمانات
وفي إطار متصل، حذر أشرف عبد الغني، مؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية، من إحجام الجهات التمويلية عن ضخ قروض لمشروعات مقامة فوق أراضٍ لم تنتقل ملكيتها النهائية للمستثمر الصناعي بعد.
وإلى جانب هذا التحذير، تتعامل البنوك بحذر شديد مع تلك العقود المشوهة، خاصة في ظل غموض حقوق الرهن العقاري وغياب الضمانات السيادية التي تضمن استرداد أموال المودعين حال تعثر المشروع.
ومن هذا المنطلق، تفتقر العقود الممنوحة من الهيئة العامة للتنمية الصناعية إلى بنود واضحة تكفل استمرارية الإنتاج بالمنشآت، ما يجعل المصانع رهينة لقرارات إدارية تعسفية قد تعصف بوجودها في لحظة.
وبالإضافة إلى معضلة التمويل، تتجاهل حكومة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي ضم هذه المشروعات الناشئة إلى منظومة التيسيرات الضريبية، رغم كونها من المشروعات الصغيرة الأحق بالمساندة والدعم في ظل التضخم.
وتأسيسًا على ما سبق، يطالب الخبراء بضرورة إعفاء مباني هذه المصانع من الضريبة العقارية ورسوم الشهر العقاري، لتوفير السيولة اللازمة لضخها في خطوط الإنتاج بدلًا من تبديدها في رسوم حكومية.
وفي مقابل هذا التعنت الحكومي، يرى الدكتور زهدي الشامي، الخبير الاقتصادي ونائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي السابق، أن حرمان المصانع من ضمانات الرهن يغلق أبواب الائتمان المصرفي في وجوههم.
وبالتزامن مع أزمة الائتمان، يشير الشامي إلى أن السياسات المالية الحالية تتعامل مع المستثمر الصناعي كمنجم للجباية الضريبية، متجاهلة أن تضييق الخناق التمويلي يؤدي حتمًا إلى ركود صناعي شامل وممتد.
وإثر هذه السياسات الخاطئة، تتراجع قدرة المصانع على التوسع أو شراء الخامات، لتتحول الأراضي المطروحة إلى عبء مالي ثقيل يلتهم رأس المال العامل دون تحقيق أي قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
نزيف السيولة وتضخم تكلفة التملك
وعلى صعيد آخر، يفترض بنظام الإيجار المنتهي بالتملك أن يوجه السيولة المالية لدى المستثمرين نحو إنشاء المصنع وشراء المعدات، بدلًا من تجميد جزء كبير من رأسمال المشروع في شراء الأرض.
غير أن الواقع الفعلي، يكشف أن تكلفة الإيجار المتراكم حتى نهاية مدة العقد تفوق بكثير تكلفة شراء الأرض مباشرة، بسبب الشروط المجحفة والقيمة الإيجارية المرتفعة المنصوص عليها في كراسات الشروط.
ولذلك السبب، يفقد النظام ميزته الأساسية في تخفيف الأعباء المالية الأولية عن كاهل القطاع الخاص الصناعي، ليتحول إلى آلية لاستنزاف التدفقات النقدية للمشروعات على مدار سنوات التعاقد الطويلة والمرهقة ماليًا.
وبدلًا من هذا الاستنزاف، يتوجب طرح الأراضي الصناعية مقابل إيجار سنوي لا يتجاوز 5% من سعر المتر المربع الفعلي، لضمان قدرة المستثمر على الوفاء بالتزاماته دون الإضرار برأسماله التشغيلي المخصص للإنتاج.
وعلاوة على تحديد النسبة، ينبغي أن تمتد فترات الإيجار التمويلي لمدد تبدأ من 7 سنوات وتصل حتى 21 سنة، بما يمنح المشروعات الصناعية فرصة حقيقية لالتقاط الأنفاس وتحقيق عوائد استثمارية مجزية.
وفي هذا الصدد، يؤكد الدكتور ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي ونقيب الصحفيين الأسبق، أن المبالغة في تسعير الإيجارات الصناعية ترفع تكلفة المنتج النهائي، ما يقضي تمامًا على أي قدرة تنافسية للصناعة المحلية.
واستنادًا إلى تلك المعطيات، يوضح الولي أن تراكم الفوائد والأقساط الإيجارية عبر سنوات العقد يضاعف ثمن الأرض لعدة أضعاف، وهو ما يتناقض جذريًا مع فلسفة دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة بمصر.
ومن ثم، يجد المستثمر نفسه محاصرًا بين مطرقة الإيجارات المتصاعدة وسندان غياب التمويل البنكي، ليتحول حلم التملك الصناعي إلى كابوس مالي ينتهي غالبًا بإغلاق المصنع وتشريد العمالة وتصفية النشاط بالكامل.
وتبعًا لهذه التداعيات الكارثية، تستمر حالة الشلل في المناطق الصناعية المطروحة منذ شهر يناير الماضي، وسط عزوف واضح من رجال الأعمال الجادين عن التورط في عقود تفتقر لأدنى معايير العدالة.
وفي نهاية المطاف، تظل المبادرات الصناعية التي تطلقها حكومة الانقلاب مجرد شعارات جوفاء للاستهلاك الإعلامي، طالما بقيت السياسات الفعلية قائمة على الجباية وتطفيش رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية على حد سواء.

