أضدرت حكومة الإنقلاب في مصر القرار رقم 65 لسنة 2026 الصادر في 18 أغسطس 2026 إنشاء منطقة حرة خاصة باسم شركة الفجيرة العلمين للنفط والغاز على مساحة نحو 737915 متر مربع بمدينة العلمين الجديدة في محافظة مطروح لتخزين وتداول النفط الخام والمنتجات البترولية، بما يمنح المشروع الإماراتي موقعا مباشرا بجوار توسعات ميناء الحمراء البترولي.
ويضع القرار منشأة تخزين وتداول ضخمة داخل نظام ضريبي وجمركي خاص، في وقت توسع فيه الحكومة الشراكات الإماراتية في الأراضي والموانئ والطاقة، بينما تكشف تقارير دولية عن مسارات لتهريب مشتقات نفطية ليبية وصلت إلى مصر والإمارات، بما يفرض أسئلة محددة عن منشأ الشحنات والرقابة والعائد الذي تحصل عليه الخزانة المصرية.
الميرغني يحذر من تركز الاستثمار الإماراتي
ويمنح نظام المنطقة الحرة الخاصة المشروع معاملة لا تخضع فيها أعماله وأرباحه الموزعة لقوانين الضرائب والرسوم العادية، بينما يفرض قانون الاستثمار على المشروعات الخاصة غير الصناعية ومنها التخزين رسما قدره 2% من إجمالي الإيرادات، وتبقى المنطقة قانونا جزءا من إقليم الدولة المصرية وتحت سلطتها الإدارية، بما يجعل الإعفاءات والرقابة الحكومية جوهر الصفقة.
وبحسب القرار المنشور في الجريدة الرسمية، يلتزم المشروع بتصدير 100% من إنتاجه السنوي وبنسبة مكون محلي لا تقل عن 50%، كما يلتزم باشتراطات البيئة والدفاع المدني والتأمين والمراقبة، إلا أن هذه الضوابط المنشورة لا تكشف حتى الآن نسب المساهمين أو قيمة حق الانتفاع أو الإيراد المتوقع للدولة من النشاط.
ومنذ أغسطس 2024 بدأ المسار بمذكرة تفاهم بين الحكومتين تحدثت عن منطقة لوجستية واستثمارات قد تصل إلى 3 مليارات دولار، ثم أعلنت وزارة البترول في نوفمبر استقبال أول ناقلة ضمن الاتفاق، ووقعت في أكتوبر 2025 ثلاثة اتفاقات شملت تأسيس شركة مساهمة وتطوير ميناء الحمراء وعقد تخزين للخام قبل قرار المنطقة الحرة في أغسطس 2026.
وفي هذا السياق استند الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني إلى بيانات البنك المركزي عن العام المالي الممتد بين 2023 و2024 ليشير إلى أن صافي الاستثمار الإماراتي بلغ نحو 37 مليار و600 مليون دولار ومثل قرابة 82% من صافي الاستثمار الأجنبي في مصر، وهو تركيز يجعل أي امتياز جديد في قطاع الطاقة مرتبطا مباشرة بأسئلة الأمن الاقتصادي والملكية.
لكن الحكومة لم تنشر حتى الآن تفاصيل كافية عن هيكل ملكية شركة الفجيرة العلمين ولا مدة الانتفاع بالأرض ولا المقابل المالي ولا قواعد تسعير التخزين والتداول ولا الجهة التي ستراجع منشأ الخام والمشتقات قبل دخولها، وهو نقص يترك أهم عناصر المساءلة والعائد العام خارج البيانات التي صاحبت إطلاق المشروع.
حرشاوي يثير فجوة عائدات النفط الليبي
بالتوازي كشف تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن ليبيا الصادر في مارس 2026 أن الصادرات غير المشروعة من النفط والمشتقات بلغت مستويات غير مسبوقة، ووثق استخدام أكثر من 50 ناقلة في تصدير نحو 992636 طنا من المنتجات المكررة بصورة غير قانونية، بينها كميات ضخمة من السولار خرجت من ميناء بنغازي القديم.
وبعد ذلك وثق التقرير نفسه شحنتين من وقود منخفض الكبريت إلى مصر، كما رصد شحنات بالحاويات إلى الإمارات وتركيا وسوريا، بينها 99 حاوية خرجت من بنغازي ببيانات شحن مضللة، وسجل شحنة أخرى إلى الإمارات تضمنت ما لا يقل عن 22 حاوية مرنة محملة بزيت وقود ثقيل.
والأخطر أن فريق الخبراء قال إن شبكات التهريب وسعت نشاطها من بنغازي إلى طبرق ورأس لانوف، واستخدمت تقنيات لإخفاء حركة السفن وعمليات نقل بين الناقلات ومواقع تخزين في بورسعيد ضمن أساليب التصدير السري، بينما أكدت الوثائق أن الموانئ الليبية المستخدمة في هذه العمليات لم تكن خاضعة لسيطرة المؤسسة الوطنية للنفط.
ومع ذلك لا يقدم التقرير الأممي ولا تكشف الوثائق العلنية المتاحة دليلا يربط شركة الفجيرة العلمين أو المنطقة الحرة الجديدة أو ميناء الحمراء بهذه الشبكة، ولذلك لا يصح تقديم الادعاء بأن المشروع أُنشئ لتخزين نفط ليبي مسروق باعتباره حقيقة مثبتة، بينما تظل الوقائع المنشورة سببا مباشرا لفرض تدقيق أشد على المنشأ.
وعلى هذا الأساس أثار الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال حرشاوي خلال يناير 2026 فجوة تقارب 8 مليارات دولار بين إيرادات النفط الليبي المعلنة وما قدر أنه كان ينبغي تحصيله من مبيعات 2025، وهو تقدير أعاد مسألة الشفافية والرقابة على العائدات إلى قلب النقاش حول تجارة المحروقات الليبية ومساراتها الخارجية.
ومن ثم تصبح الأسئلة التي تجاهلتها البيانات الحكومية عملية وليست سياسية فقط، وهي من سيطابق شهادات المنشأ مع سجلات المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا ومن سيفحص المالك المستفيد للشركات والسفن ومن سيراجع مسارات الناقلات والعقوبات الدولية وهل ستنشر الجهات المصرية تقارير دورية عن مصادر الشحنات التي تدخل المنطقة الحرة وتخرج منها.
عبد السلام يحذر من الاستحواذات الحيوية
في المقابل يأتي المشروع ضمن توسع إماراتي أوسع في مصر شمل صفقة رأس الحكمة بقيمة أولية بلغت 35 مليار دولار، إلى جانب استثمارات واستحواذات في العقارات والموانئ والخدمات المالية والطاقة وشركات مدرجة، وهو توسع تمنحه الحكومة المصرية مساحات متزايدة داخل أصول ومرافق تؤثر مباشرة في إيرادات الدولة وسلاسل الإمداد.
ومن ناحية أخرى حذر الكاتب الاقتصادي مصطفى عبد السلام في أغسطس 2026 من أن التركز المتزايد للصفقات الإماراتية في البنوك والشركات والأراضي والخدمات الحيوية يمكن أن يخلق مخاطر على الأمن الاقتصادي وضغوطا سياسية ومجتمعية، خاصة عندما يمتد الحضور إلى قطاعات مثل الطاقة والتمويل والرعاية الصحية التي ترتبط بالقرار العام والإيرادات.
وعمليا يرفع تطوير ميناء الحمراء قيمة المنطقة الحرة الجديدة، لأن وزارة البترول تخطط لتداول نحو 88 مليون برميل خلال العام المالي 2026 و2027 بمتوسط 240 ألف برميل يوميا، كما تستهدف توسعات التخزين رفع السعة من 2 مليون و800 ألف برميل إلى 5 ملايين و300 ألف برميل ثم الوصول إلى 20 مليون برميل بحلول 2030.
ولهذا لا تبدو المنطقة الحرة قرارا منفصلا عن إعادة تشكيل ساحل العلمين كمركز لتخزين وتجارة الطاقة، فالميناء يتوسع والشركة المشتركة تأسست واتفاقات الفجيرة انتقلت من مذكرة تفاهم إلى عقود تشغيل وتخزين ثم حصل المشروع على نظام المنطقة الحرة، بينما لم تنشر الحكومة حتى الآن دراسة العائد المالي أو نموذج تقاسم الإيرادات.
وأخيرا يضع الجمع بين الامتيازات الممنوحة للمشروع والتوسع الإماراتي في أصول مصر والتوثيق الأممي لمسارات تهريب الوقود الليبي مسؤولية مباشرة على الحكومة لنشر عقود الشركة وهيكل ملكيتها ومقابل الأرض وقواعد فحص المنشأ وسجلات الشحن والرقابة المستقلة قبل استقبال أول شحنة، لأن غياب هذه المعلومات يحول مشروع الطاقة إلى ملف مساءلة عامة لا يجوز إدارته بالبيانات المختصرة.

