كشفت الهيئة الوطنية للإعلام في مبنى ماسبيرو بالقاهرة عن أزمة مالية جديدة بعد ظهور عجز في الاشتراكات التأمينية للعاملين، ما أدى إلى تعثر صرف معاشات مستحقة، وسط خسائر مرحلة بلغت 119.9 مليار جنيه وفق تقارير رقابية.
وبالتالي أعادت واقعة الإعلامية غادة الطويل، بعد 36 عامًا من العمل، ملف حقوق العاملين إلى الواجهة، بعدما فوجئت بسداد اشتراكاتها التأمينية لستة أشهر فقط، في مشهد يعكس معاناة طويلة لأصحاب المعاشات داخل المؤسسة العريقة.
كما أن الأزمة لم تعد مجرد شكوى فردية، بل تحولت إلى صورة مصغرة لمعاناة آلاف العاملين الذين واجهوا تأخر مستحقاتهم وتراجع أوضاعهم، بينما ظلت الديون المتراكمة تضغط على مستقبل الهيئة والعاملين بها.
لزيادة حجم الأزمة، أظهرت البيانات المالية أن الخسائر السنوية للهيئة الوطنية للإعلام ارتفعت من 5.43 مليار جنيه عام 2016/2017 إلى 14.68 مليار جنيه خلال عام 2024/2025، ما يعكس اتساع الفجوة المالية.
لذلك بات ملف المعاشات والتأمينات اختبارًا حقيقيًا لقدرة الإدارة على حماية حقوق الموظفين، خصوصًا من أفنوا عقودًا طويلة داخل مبنى الإذاعة والتليفزيون، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام مستحقات غائبة.
ومن ثم تكشف أرقام الديون المتراكمة عن أزمة أعمق، بعدما بلغ أصل الدين 42.6 مليار جنيه، بينما التهمت فوائد الديون نحو 48.3 مليار جنيه خلال ثماني سنوات، وفق البيانات المحاسبية.
غير أن العاملين لا ينظرون إلى الأزمة باعتبارها أرقامًا مالية فقط، بل يرونها تهديدًا مباشرًا لأمانهم الاجتماعي بعد سنوات من الخدمة، خاصة مع تراجع قيمة المخصصات والامتيازات.
علاوة على ذلك أظهرت التقارير تراجع نسبة الأجور من إجمالي المصروفات، إذ انخفضت من 29.6% عام 2016/2017 إلى 22.6% عام 2024/2025، رغم ارتفاع الأعباء المعيشية على الموظفين وأصحاب المعاشات.
ماسبيرو تحت الضغط
بناءً على ذلك يرى الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن استمرار نزيف الخسائر داخل المؤسسات العامة يحتاج إلى مراجعة شاملة للإدارة والتمويل، لأن تراكم الديون ينعكس في النهاية على العاملين والخدمات المقدمة للمواطنين.
كما يؤكد توفيق أن معالجة العجز لا تكون بالاعتماد المستمر على الدعم، وإنما عبر إصلاح إداري حقيقي يضمن استغلال الأصول ووقف الهدر، مع الحفاظ على حقوق العاملين الذين تحملوا تبعات الأزمة.
ومن ناحية أخرى يوضح الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن المؤسسات الخاسرة تحتاج إلى خطط إعادة هيكلة واضحة، لأن تجاهل الاختلالات المالية يؤدي إلى تضخم الأزمات وتأجيل الحلول الجذرية لسنوات.
إضافة إلى ذلك يشير نافع إلى أن حقوق الموظفين وأصحاب المعاشات يجب أن تكون ضمن أولويات أي عملية إصلاح، حتى لا يتحول العاملون إلى الطرف الأضعف في مواجهة العجز المتراكم.
في المقابل تكشف شهادات العاملين السابقين أن أزمة التأمينات ليست وليدة اللحظة، بل نتيجة تراكمات إدارية طويلة تركت كثيرين يواجهون مصيرًا مجهولًا بعد انتهاء سنوات خدمتهم.
أعباء مالية متصاعدة
كما أن الخبير الاقتصادي عبد المنعم السيد يرى أن ارتفاع المديونية في المؤسسات العامة يمثل تحديًا كبيرًا، خصوصًا عندما تتجاوز الالتزامات قدرة الإيرادات على تغطية النفقات الأساسية.
لذلك يطالب السيد بضرورة وضع حلول مالية مستدامة بدلًا من المعالجات المؤقتة، لأن استمرار الخسائر يهدد قدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها تجاه العاملين والمتعاملين معها.
ومن ثم تظهر بيانات الهيئة أن الديون لم تتوقف عند حدود التمويل، بل امتدت آثارها إلى أجور العاملين ومكافآتهم، بعدما شهدت السنوات الماضية تقليصًا للمزايا وتأخرًا في بعض المستحقات.
غير أن العاملين يرون أن تحميل الموظفين ثمن الأزمة غير عادل، خصوصًا أن كثيرًا منهم لم يشاركوا في القرارات الإدارية التي قادت إلى تراكم الخسائر والديون.
علاوة على ذلك أثارت واقعة الاشتراكات التأمينية تساؤلات حول آليات الرقابة الداخلية، ومدى متابعة الجهات المختصة لتحويل المستحقات في مواعيدها القانونية لحماية حقوق الموظفين.
مستقبل العاملين الغامض
وبالتالي أصبحت أزمة معاشات العاملين في ماسبيرو عنوانًا لمعاناة إنسانية متزايدة، بعدما وجد بعض أصحاب الخبرات الطويلة أنفسهم أمام عراقيل تمنعهم من الحصول على حقوقهم الطبيعية.
كما أن استمرار الغموض حول ملفات التأمينات يضاعف مخاوف العاملين الحاليين، الذين يخشون تكرار السيناريو نفسه عند انتهاء خدمتهم بعد سنوات من العمل.
لزيادة القلق بين الموظفين، جاءت الأزمة في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، جعلت تأخر أي مستحق مالي عبئًا إضافيًا على الأسر التي تعتمد على هذه الأموال كمصدر دخل أساسي.
لذلك تتجه الأنظار إلى ضرورة مراجعة ملفات الهيئة المالية والإدارية، ووضع حلول تضمن عدم تكرار أزمة الاشتراكات، مع محاسبة المسؤولين عن أي تقصير تسبب في الإضرار بالعاملين.
ومن ثم يبقى ملف ماسبيرو مفتوحًا أمام الجهات الرقابية والرأي العام، في انتظار إجراءات واضحة تعيد الثقة للعاملين وتحفظ حقوق من أمضوا أعمارهم داخل المؤسسة الإعلامية الأكبر في مصر.
غير أن استمرار الصمت حول أسباب الأزمة وتداعياتها سيزيد من فقدان الثقة، بينما يحتاج العاملون إلى خطوات عملية تنهي حالة القلق وتحول الوعود إلى إجراءات ملموسة.

