أقرت منظومة تسعير الخدمات الكهربائية في مصر زيادة جديدة بمتوسط 12% على 6 شرائح للاستهلاك المنزلي، مع تثبيت الشريحة الأولى، ما يرفع الفواتير الشهرية على ملايين الأسر بينما تقول الحكومة إنها تواصل تحمل جانب من التكلفة.

 

وتأتي الزيادة بينما تواجه الأسر المصرية موجات متلاحقة من ارتفاع أسعار الوقود والغذاء والمواصلات والخدمات، لتتحول فاتورة الكهرباء من عبء موسمي إلى بند ضاغط على دخول فقدت جزءا كبيرا من قدرتها الشرائية خلال السنوات الأخيرة.

 

وبحسب المنظومة، جاءت التعريفة الجديدة بعد دراسات ومعادلات سعرية تستهدف تقريب سعر البيع من التكلفة الفعلية لإنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها، مع الحفاظ على ما تصفه الحكومة بالبعد الاجتماعي وضمان استمرار الخدمة واستقرار الشبكة.

 

وفي المقابل، تؤكد الحكومة أنها لا تزال تتحمل نحو 100 مليار جنيه سنويا تمثل الفارق بين تكلفة إنتاج الكيلووات ساعة وفقا لأسعار الوقود وبين ما يدفعه المستهلكون بعد تطبيق التعريفة المحاسبية الجديدة.

 

وعند استهلاك 50 كيلووات ساعة، يتحمل المواطن نحو 25% فقط من التكلفة الفعلية، بينما تتحمل الدولة 103 جنيهات، في حين ترتفع مساهمة المستهلك عند استهلاك 100 كيلووات ساعة إلى 30% مقابل دعم يبلغ 191 جنيها.

 

أما عند وصول الاستهلاك إلى 200 كيلووات ساعة، فيدفع المستهلك نحو 42% من التكلفة، بينما تتحمل الدولة 318 جنيها، ثم ترتفع مساهمته إلى 49% عند استهلاك 300 كيلووات ساعة مقابل 419 جنيها دعما.

 

عبء يتسع مع الاستهلاك

 

وبالنسبة إلى استهلاك 400 كيلووات ساعة، يسدد المشترك نحو 54% من التكلفة الفعلية بينما تتحمل الدولة 500 جنيه، وتزداد مساهمته إلى 59% عند استهلاك 500 كيلووات ساعة مقابل تحمل الخزانة 560 جنيها.

 

وعندما يبلغ الاستهلاك 600 كيلووات ساعة، يتحمل المواطن نحو 62% من التكلفة، بينما تنخفض نسبة الدعم تدريجيا، قبل أن تصل مساهمة المستهلك إلى 88% عند استهلاك يتراوح بين 700 و1000 كيلووات ساعة.

 

وبعد تجاوز مستويات الاستهلاك المرتفعة، يصبح المشترك أقرب إلى دفع التكلفة الكاملة للخدمة، إذ أعلنت المنظومة أن المستهلك عند مستوى 2000 كيلووات ساعة يتحمل 100% من قيمة الفاتورة دون دعم مباشر من الدولة.

 

ومن زاوية اجتماعية، تكمن المشكلة في أن ارتفاع الاستهلاك لا يعني بالضرورة ارتفاع الدخل، خصوصا خلال أشهر الصيف، عندما تدفع درجات الحرارة الأسر لاستخدام المراوح والتكييفات والثلاجات فترات أطول، بما ينقلها تلقائيا إلى شرائح أعلى.

 

وفي هذا السياق، أوضح حافظ سلماوي، الرئيس الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، أن ارتفاع الاستهلاك صيفا قد ينقل المشترك إلى شريحة أعلى، ما يؤدي إلى قفزة في قيمة الفاتورة تتجاوز مجرد زيادة عدد الكيلووات المستهلكة.

 

كما يرى سلماوي أن قطاع الكهرباء يواجه فجوة كبيرة بين التكلفة والتعريفة، موضحا أن ارتفاع أسعار الوقود والاستيراد يرفع قيمة الدعم المطلوب، وأن نقل جزء من التكلفة إلى الفئات الأعلى استهلاكا يستهدف تقليص العجز.

 

وبالتالي، فإن تثبيت الشريحة الأولى يمنح الحكومة مساحة للقول إنها أبقت مظلة حماية لمحدودي الاستهلاك، لكنه لا يلغي حقيقة أن الأسر التي تتجاوز الحدود الدنيا ستواجه فاتورة أعلى في توقيت اقتصادي شديد الحساسية.

 

فجوة تمويلية تدفع الزيادة

 

ومن الناحية الاقتصادية، سبق للخبير محمد فؤاد أن حذر من أن زيادة أسعار الكهرباء أصبحت مسألة توقيت، في ظل فجوة بين تكلفة الوقود والإنتاج وما تحصله الدولة من المستهلكين، قدرها بنحو 300 مليار جنيه سنويا.

 

وبحسب فؤاد، لا تستطيع الدولة الاستمرار إلى أجل غير محدد في تحمل فارق التكلفة بالكامل، لأن دعم الكهرباء يضغط على الموازنة، لكن تحميل المستهلك جزءا أكبر من التكلفة يعني انتقال الأزمة المالية مباشرة إلى ميزانية الأسرة.

 

وفي الوقت نفسه، أشار فؤاد إلى أن زيادة أسعار الكهرباء والوقود يمكن أن تحقق وفرا ماليا كبيرا للدولة، لكنه حذر من انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى المصانع والتجار، ثم انعكاسه تدريجيا على أسعار السلع والخدمات.

 

ومن ثم، لا يتوقف أثر الزيادة عند قيمة فاتورة المنزل، لأن الكهرباء عنصر أساسي في تكلفة الإنتاج والتخزين والتجارة والخدمات، ما يجعل أي تحريك واسع للأسعار قابلا للانتقال عبر سلسلة طويلة حتى يصل إلى المستهلك النهائي.

 

وعلاوة على ذلك، ترتبط أزمة التسعير بتراجع قدرة مصر على تغطية احتياجات الطاقة محليا، مع الاعتماد المتزايد على استيراد الغاز والمنتجات البترولية، وهو ما يجعل تكلفة الكهرباء أكثر حساسية لسعر الدولار والأسواق العالمية.

 

وقد أكد هاني جنينة، الخبير الاقتصادي، أن الكهرباء والبنزين مرشحان لزيادات مرتبطة بإجراءات تقليص الدعم، معتبرا أن التحسن في الأسعار يتطلب تراجع ضغوط الشحن والدولار، وهي عوامل لا يملك المستهلك المصري السيطرة عليها.

 

لذلك، يصبح خطاب الاستدامة المالية الذي تبرر به الحكومة الزيادات مرادفا عمليا لنقل جزء متزايد من تكلفة أزمة الطاقة إلى المواطنين، بينما تبقى الأجور الحقيقية أبطأ من الارتفاع المتتابع في أسعار الخدمات الأساسية.

 

الدعم يتراجع والفاتورة ترتفع

 

وفي قراءة أوسع، بدأت الدولة منذ سنوات برنامجا تدريجيا لإعادة هيكلة دعم الكهرباء، يقوم على رفع الأسعار وربطها بصورة أكبر بتكلفة الإنتاج، مع إبقاء الشرائح الأقل استهلاكا عند مستويات أدنى من التكلفة الفعلية.

 

غير أن الزيادات المتعاقبة تجعل مفهوم الدعم نفسه محل تساؤل لدى المواطنين، لأن ما تعلنه الحكومة من مبالغ تتحملها الخزانة يقابله ارتفاع مستمر في الفواتير، بالتزامن مع زيادات الوقود والاتصالات والمواصلات وعدد من الخدمات العامة.

 

وبناء على ذلك، فإن متوسط زيادة 12% لا يعكس وحده حجم الأثر الفعلي على الأسرة، إذ تختلف الزيادة بحسب الشريحة وحجم الاستهلاك، كما يمكن للانتقال من مستوى استهلاك إلى آخر أن يرفع الفاتورة بنسبة أكبر.

 

كذلك تبدو المقارنة بين ما يدفعه المواطن وما تتحمله الدولة ناقصة دون نشر التكلفة التفصيلية لإنتاج الكيلووات ساعة ومكونات سعر الوقود والنقل والتوزيع، بما يسمح للرأي العام بتقييم حقيقة الدعم وكفاءة إدارة القطاع.

 

وفي موازاة ذلك، توسعت الحكومة في مشروعات الطاقة المتجددة بهدف تخفيف الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتستهدف رفع مساهمة المصادر النظيفة، لكنها لا تزال تواجه احتياجات ضخمة للغاز والوقود لتشغيل محطات التوليد القائمة.

 

ومن جانب آخر، فإن توفير استقرار مالي لقطاع الكهرباء لا ينفصل عن كفاءة التحصيل وتقليل الفاقد الفني والتجاري وتطوير الشبكات، وهي عناصر يفترض ألا تتحول تكلفتها تلقائيا إلى زيادة متكررة يدفعها المواطن وحده.

 

وفي المحصلة، تكشف التعريفة الجديدة عن اتجاه واضح نحو تقليص المسافة بين سعر الكهرباء وتكلفتها الحقيقية، بينما تبقى الأسر أمام معادلة أصعب تجمع بين ضرورة الاستهلاك وارتفاع الحرارة ومحدودية الدخل واستمرار تحريك أسعار الخدمات.

 

وأخيرا، فإن تثبيت الشريحة الأولى لا يحجب حقيقة رفع 6 شرائح بمتوسط 12%، ولا يبدد مخاوف الأسر من زيادات جديدة، بعدما أصبحت فاتورة الكهرباء جزءا من مسار أوسع يحمل المواطنين تدريجيا تكلفة إصلاحات اقتصادية ممتدة.